- شوقي اليوسفي
لاتستطيع أن تكون من تعز ولاتعرف تفاصيل حارة الجحملية أو يكون لك فيها أهل أو أصدقاء ، حارتي التي أتباهى بكوني واحد من أبنائها ، دمرتها الحرب ودفعت بكثير من الأسر العريقة لمغادرتها ، تركنا بيوتنا وأجمل أيام عمرنا على أمل أن نعود ذات يوم ، نجّمع الأهل والأصحاب من جديد ، نعفو عن بعض بقلوب نقية ثم نعّمر ماتدمر ونحافظ بقدر الإمكان على هوية حارة كانت إلى ماقبل الحرب بتماسك شبابها – مفتولة العضلات – ثم صارت غريبة حتى على أهلها .
الجحملية ليست التي تشاهدونها في مسلسل التفاهات – ليالي الجحملية – على قناة يمن شباب ، هي حارة مختلفة وكل من تعلق قلبه بها يدرك قيمة العطاء والبذل ليس في المال فقط وانما في التضحيات والحب والشهامة والرجولة ، لم يكن كل الجحملاويين أنبياء لكنهم لم يكونوا بالسوء الذي عرضه مسلسل يتحدث عن الحارة بمنتهى الابتذال ، لقد حرص وسيم القرشي وفهد القرني وآخرين أن يظهروا صور علي عبدالله صالح معلقة على جدار قسم الشرطة وفي المقاهي يريدون أن يربطوا أفعال البلطجة بالرئيس السابق بقالب فني خبيث ، قولوا لطاقم يمن شباب ، كانت الجحملية على مدى التاريخ أصل البدايات وأجمل النهايات ، خليط من ألم وأمل ، كان لدينا صالة أعراس وعزاء وسط الحارة ، من كان يريد أن يرى الجحملية على حقيقتها عليه أن يحضر مناسبة واحدة ويسأل الحضور واحدا واحدا عن اسمه ولقبه ومدى ارتباطه بالحارة ، هذا من عمران وآخر من صعدة وذاك من المحويت وآخر من حجة وإب ومأرب والجوف وأبين وشبوة وعدن ولحج والمهرة وصنعاء وذمار ، كان لدينا أسر تركية وأسر لها ارتباطها بالتاريخ القديم ، خليط من كل المحافظات لم يأتوا للزيارة وإنما ولدوا وترعرعوا وكبروا في ذات الحي ، تربطهم أواصر اخوة ومحبة وعمرنا ما سألنا عن قرية أو بلاد فلان أو علان.
كنا نعرف على سبيل المثال وليس الحصر أن بيت السراجي والشامي والمؤيد والوشلي وشرف الدين والمهتدي والكوكباني والمساوى والحدي والشلالي والمرتضى والقصوص والسنفي والإرياني والبعداني والحرازي والعديني والروحاني والجهراني وغيرهم مئات العائلات هم أصل الجحملية ، معظمهم لم يغادروا الحارة ، كانوا يتركون أبواب منازلهم مفتوحة ، آمنيين ومطمئنيين ، تزوجوا وانجبوا ودرسوا وماتوا ودفنوا في مقبرة الجحملية .. كان لدينا حارة عظيمة ثم وفي غمضة عين تشتت الأهل والأصحاب ، كل ذهب إلى اتجاه وخسرت الجحملية في الحرب الكثير من أبنائها لكنها لم تخسر حتى اللحظة الأمل في استعادة الهوية والنسيج الاجتماعي ، لم تخسر نكهة قهوة مخسوة ولا اسبيشل محمد صغير ، سنعود ذات يوم بإذن الله نحب بعضنا أكثر مما كنا ، نؤدي صلاة التراحم في جامع العرضي ونستمع بقلوب صاغية لصوت العقل ، الحمدلله حتى اللحظة لم يفتنا القطار وسنروي للأجيال من بعدنا كيف كانت حارة الجحملية على قلب رجل واحد، وأنها ليست كما روى عنها القرني والقرشي ، سوف نوصي الأبناء والأحفاد على مزيد من التآخي والتعاضد منطلقين في ذلك على تاريخ حافل بالمواقف المشرفة والله المستعان .




