- ضياف البراق
لا خير حتى الآن. الناس هنا أصبحوا مُمِلين، فاقدين للأمل، وجوههم صدئة، وقلوبهم لا شيء. حتى أصدقائي الذين أجالسهم أغلب الأوقات، أصبحوا مُملِين لدرجة تبعث على الضجر. أنا أيضًا أصبحتُ مُمِلًّا أكثر من اللازم، لدرجة أنني لم أعد أطيق رؤية نفسي، ما أتعسني! ها أنا ذا أكاد أتقيأ كلما فكرتُ بي أو حتى بأي شيء آخر. أكاد أتقيأ كلما زارني أحد الأصدقاء إلى غرفتي القذرة أو هاتفني أو قدم لي نصيحة ما. أكاد أتقيأ كلما فتحتُ كتابًا أو صافحتُ يدًا أو سمعتُ واعظًا يتحدث حول أشياء باتت قذرة جدًا بسبب التكرار غير المنقطع لها. عندما يصيبني الملل، أكره نفسي، بل العالم كله. أسوأ ما في الحياة هو هذا الملل الذي يجعلني غير قادر على شيء، كأني بلا روح. ترى ما الذي جرى؟ لم أكن يومًا أتصور أن العالم قد يصبح مُمِلَّا بهذا الشكل أو إلى هذا الحد المخيف!
بالأمس، لم أكن أكذب ولا حتى أمزح عندما كتبتُ هذا الوجع على حائطي الأزرق:
«ملل يطحن العظام، يذبح القلب، يخنق عالمك بدمٍ باردٍ وقِح، يلدغ جميعَ
خلاياك دفعة واحدة، حتى يجعلك هشًّا مثل الفراغ، لا تحس بالحياة.
هذا
الملل أسوأ منّي، أسوأ من ذكرى لعينة. الملل يضعف قواي، يرهقني لدرجة أشعر
معها باليأس، والخوف، والعذاب. الملل حُزْنٌ كامل، اِكتئاب ذو ستة أوجه
كالمكعب. إنه سفّاح غير مرئي، يَقْتلُ كل حركة بداخلك، وأحيانًا يحيل مزاجك
إلى كيس زبالة مثقوب. الملل جحيم، بل أقذر أشكال الجحيم. يا زوربا، العالم
كله صار مُمِلًّا، لا شيء فيه يبعث البهجة في النفس. وحدها الحرب العالمية
الثالثة هي التي ستقضي على كل هذا الملل اللعين. اللعنة على كل الحروب.
نحن بحاجة ماسّة إلى عالمٍ إنساني جديد، يخلو من المآسي، والكراهية،
والملل، والأغبياء. هرمنا!».
لا تعجبني أغاثا كريستي، ولن أقرأها أبدًا! تكوّنت عندي هذه القناعة بعد أن قرأت للكاتبة صفحة واحدة، واحدة لا أكثر.
وهنا أقول للعميقين: تلك قناعتي الخاصة، فلا تنزعجوا منّي، ولا تتهموني
بأني قارئ سطحي أو رديء الذائقة. الأدب الأجوف أو الرخو.. لا يعجبني
إطلاقًا. الأدب الذي يصنع الملل، لا الحياة، لستُ بحاجة إليه.
حتى حبيبتي أصبحت مُمِلّة للغاية، أظنها لا تقرأ إلّا كتب التنمية البشرية، وخزعبلات الوعّاظ الجُدد، لا أكثر. أفكّر بأن أتخلى عنها بعض الوقت، على الأقل قرن كامل من الزمن، ريثما أرتاح فقط. عذرًا حبيبتي، قلبي لا يحتمل الملل، تمامًا كالشِعر لا يحتمل التكرار.
قبل أيام قلائل، إحداهن نشرت فقّاعة عمودية مكررة، مضطربة شكلًا ومضمونًا، لا جديدَ فيها ولا روح، ما أن قرأتُ بعض أبياتها حتى أصابني الغثيان. لكن، ما أصابني بالصدمة والضحك معًا، هو أن صاحبة تلك الفقّاعة تحظى بشهرة واسعة على الفيسبوك، وكذلك في الوسط الأدبي عندنا، ولديها جمهور كبير من المثقفين الفارغين. لدينا نقّاد إمّا حمقى أو مرتزقة وسماسرة أو سفلة أو قل عنهم ما شئت – يلهثون دائمًا وراء المؤخرات الدسمة لا وراء الإبداع الحقيقي، هدّامون لا بنّاؤون، يشجّعون القديم ويحاربون الجديد. بعضُ هؤلاء السفلة كتبوا عن صاحبة الفقاقيع ما لا تستحق، لمّعوها حتى التقديس، وروّجوا لها بحماس، ولا يزالون، بينما هي مسكينة إذ لا تعلم بأن هؤلاء الأقزام هم أعداؤها، ولن ينفعوها يوم الحساب النقدي الحقيقي. هل عرفتم، الآن، لماذا لا نتقدم؟ هل عرفتم لماذا نحن فاشلون؟ لا تحزنوا. كمْ نحن منافقون!
ها أنا ذا أشعر بالملل الشديد، لكني لا أموت، ولن أموت ما دمتُ ألعن هذه الحياة الرخوة، وأشتم الأقنعة الوقحة، وأفضح زيفها. جرّبتُ الموسيقى كثيرًا، لكنها لم تنقذني من هذا الملل الخانق. غيّرتُ مكاني مؤقتًا، غيّرتُ سيجارتي، خلعتُ ملابسي الداخلية، رقصتُ، بكيتُ، مارستُ الكثير من الطقوس الروحية، لكن عبثًا. عمّا قريب، سوف أغادر هذه الحارة المُمِلّة. سوف أغادر هذه الحارة المقرفة، ليتني لم أعرفها! لكن، إلى أين أغادر؟ بلادي منكوبة دائمًا، إذ ليس فيها حارة أو قرية واحدة تصلح للعيش الجميل. الحروب العبثيّة دمّرتْ كل الأماكن الجميلة فيها، عطّلت حركةَ الزمن، ولوّثت حتى العقول والأرواح النقية. أسكنُ هذه الحارة منذُ ثلاث سنوات تقريبًا، لكني، حتى اليوم، لم أرتحْ فيها لحظةً واحدة، بل لم أرَ فيها عصفورًا غير حزين أو امرأة بدون حِجاب أو شجرة مسكونة بالأمل أو مكتبة تستحق الاحترام. لا شيء في هذه الحارة يمنحك البهجة أو يجعلك تفكِّر بالمستقبل. الماضي “هنا” موجود في كل رأس، في كل بيت، في كل حلم، في كل زقاق، في كل نافذة… الجميع يعيش في الماضي، والماضي سيّد الجميع. الماضي هو كل شيء، إنه غذاؤنا اللذيذ الذي لا شريك له. البيوت صارت مليئة بالأحزان، والجمود، والأخطاء، والخوف، وصور القتلى. كذلك الشوارع، مليئة بالمآسي، والدمار، والضجر، والظلام الدامس، والملل اللعين.
لم يكن قد أصابني هذا المللُ الوقِح عندما
وجهتُ لإحدى صديقاتي المبدعات سؤالًا مستفِزًا أردتُ من خلاله تهدئة
أعصابي. سألتُها عبر الماسنجر: ما رأيكِ بمصطلح «الأدب النسوي»؟. وبعد
عشرين دقيقة من الانتظار المُمِل، أجابت عنه بانفعالٍ رائع:
«الأدب
النسوي! مصطلح ركيك! لا أقول به، بل أكفر بهذا التصنيف المقيت. أرفض هذا
«التجنيس» الركيك للأدب، وأراه إساءة كبيرة للإبداع. للأسف نحن أمة مهووسة
بالتجنيس، والتصنيف، وتبحث بطرق مختلفة عن طرق للفصل بين المرأة والرجل،
وكأن لفظة «نسوي» تحيل على نقيصة ما! لا يوجد في الأدب تصنيفات، لا يوجد
أدب للرجل وآخر للنساء، الأدب لا جنس له، الأدب لا لون له، الأدب إنسانية
أو لا يكون». أنا كذلك لم يعجني هذا المصطلح الغبي، رغم أنّي لم أفهم
طبيعته وغايته بعدُ.
ثمة مقولة رائعة نسيت اِسم قائلها، وهي: «لم يسبق للتشاؤم أن فاز بأيّ معركة». نَعم أنا متشائم دائمًا، أخوض معارك يوميّة كثيرة مع الواقع، ومع الحياة، ومع العالم، وقبل ذلك مع نفسي، لكني لستُ أبحث عن أي فوز من خلالها. دعونا نعترف بصراحة: أليس أغلب عظماء العالم، من الأدباء والمفكرين والفلاسفة، هم من صنيع التشاؤم؟ أمّا التفاؤل لم يصنع لنا سوى الكثير من الدجالين، والحمقى، والأشباح.
لا أمل. كل ما حولي ينذر بالمزيد من الخراب والملل.




