
تتعدد القراءات وتتشابك المسارات عند محاولة الإجابة عن السؤال الأكثر إلحاحاً في الشارع اليمني: هل مفتاح إيقاف الحرب بيد الداخل أم الخارج؟
في تقرير تحليلي عميق نشرته القدس العربي، يسلط الزميل أحمد الأغبري الضوء على معضلة الصراع الراهن في اليمن، مستقرئاً الجذور التاريخية للحروب المتعاقبة عبر رؤية تحليلية للكاتب محمد عبدالوهاب الشيباني، مؤسس ورئيس تحرير منصة «امتداد»، ليخلص التقرير إلى حقيقة مركبة تفصل بدقة بين قرار إسكات البنادق وصناعة السلام الدائم.
يؤكد التقرير أن تتبع محطات الصراع في اليمن بشطريه -قبل الوحدة وخلالها- يكشف بوضوح أن معظم الحروب السابقة لم تنته بقرار محلي بحت، وانما عبر تسويات وتدخلات خارجية، فالحرب الجمهورية الملكية (1962-1970) تحول شمال اليمن إلى ساحة صراع بين مشروعين (قومي مدعوم مصرياً، وإمامي مدعوم سعودياً)، وظلت الحرب مشتعلة حتى رعت السعودية مصالحة عام 1970 بعد تواري الدور المصري وتداخل أقطاب الحرب الباردة، وحروب الشطرين والمناطق الوسطى (1972 و1979) تدخلت أطراف إقليمية مثل ليبيا والكويت لاحتواء الأزمات ورعاية اتفاقيات الوحدة الأولى، كذلك أحداث يناير 1986 وصيف 1994 حُسمت بصورة رئيسية عبر تقاطعات الضوء الأخضر الخارجي والتوازنات الدولية والإقليمية، وحروب صعدة (2004-2009) شهدت دخول الاستقطاب الإقليمي ذي الصبغة الدينية (إيران) على الخط لتمهد شرارتها نحو الحرب الكبرى المستدامة.
كما يوصف التقرير المشهد اليمني الحالي بأنه «حرب هجينة» اختلط فيها المناطقي بالمذهبي والسياسي والميليشاوي. ووفقاً لرؤية الشيباني فإن النخب السياسية والمحلية تعيش حالة من التشظي والانقسام تفقدها القدرة على التأثير المستقل، مما يجعل قرار إنهاء الحرب موزعاً بين عواصم الإقليم والعالم (كالرياض، طهران، واشنطن، أبوظبي، تل أبيب، لندن وبكين)، ومرتبطاً بملفات معقدة كالنووي الإيراني، أمن الملاحة في باب المندب، وصراعات الطاقة الكبرى، فيما يبقى المواطن اليمني هو الضحية الكبرى؛ إذ يدفع الثمن باهظاً من دمه، وتشريده، وانهيار مقومات حياته، دون أن يكون صاحب القرار في إشعال هذه الحرب أو استطالتها المريعة.
ويقودنا التحليل العميق للتقرير إلى استنتاج استراتيجي يفصل بين مسارين: مفتاح إيقاف الحرب الذي يقع بالدرجة الأولى خارج الحدود، عبر التوافقات والتسويات بين القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، ومفتاح استقرار اليمن وبناء الدولة المحصور داخل الحدود؛ فالحياد الخارجي وحده لا يصنع سلاماً مستداماً إذا لم يُبَنَ على توافق وطني حقيقي وعقد سياسي واجتماعي شامل تقوده القوى اليمنية الميدانية، مختتما بالتأكيد على أن التغلب على إرث التخلف السياسي وثقافة الغلبة والاستقواء بالخارج ليس أمراً مستحيلاً؛ فاليمن يمتلك من المقومات الحضارية ما يؤهله لاستجماع شتاته والنهوض مجدداً كطائر الفينيق.
سؤال تفاعلي:
برأيك، كيف يمكن للقوى السياسية والاجتماعية في اليمن خلق أرضية وطنية مشتركة تضمن استعادة القرار اليمني وتحقيق سلام دائم؟





