- بقلم: فارس العليّ

المحور الخامس: المحاكمة النقدية الكبرى والأثر التاريخي.
لقد قمنا ببناء المنهج، وتفكيك اللغة، ورصد دوافع الانتحال، والتشريح التطبيقي للمتون، واليوم نقف أمام المحاكمة النقدية الكبرى والأثر التاريخي لكتاب “في الشعر الجاهلي” لعميد الأدب العربي د. طه حسين.
هذه الحلقة فيها إحاطة استثنائية؛ لأنها لا تناقش ما قاله طه حسين فحسب، بل تناقش ما قيل ضدّه، وكيف غيرت هذه المعركة وجه الفكر العربي الحديث للأبد.
عندما صدر كتاب “في الشعر الجاهلي” في أواخر صيف عام 1926م، لم يكن مجرد كتاب أثري يُطالع في الهدوء الأكاديمي، بل كان بمثابة صاعقة سقطت في قلب الحياة الثقافية والدينية والسياسية في مصر والعالم العربي.
لم تقتصر ردود الفعل على النقد العلمي الهادئ، بل تحولت إلى معركة كبرى ضمت علماء الأزهر الشريف، والأدباء المحافظين، ورجال السياسة والقضاء، ووصلت إلى حد تقديم بلاغات قضائية تتهم العميد بالطعن في الدين، والتشكيك في القرآن الكريم، والخروج على ثوابت الأمة. أمام هذا الضغط الهائل، اضطرت الجامعات وسلطات القضاء للتحقيق مع طه حسين، وسُحب الكتاب من الأسواق، ليقوم العميد في العام التالي (1927م) بإعادة صياغته وحذف الفصول الأشد صداماً وإصداره تحت عنوان “في الأدب الجاهلي”.
ولكن.. ما هي أبرز الجبهات التي وقفت في وجه أطروحة طه حسين؟ وكيف ردّ الشيوخ والنقاد على العميد؟
1. الرد الديني والأزهري (القرآن والتاريخ)
تركز الطعن الأساسي من قِبل علماء الأزهر (مثل الشيخ محمد الخضر حسين وغيره) على أن منهج طه حسين في التعامل مع التاريخ الديني والقرآني يفتح باباً لهدم الثوابت، مثل الطعن في قصة إبراهيم وإسماعيل، إذ رفض العلماء بشدة اعتبار طه حسين لقصة هجرة إبراهيم عليه السلام إلى مكة وبناء الكعبة “أسطورة سياسية” متأخرة صُنعت لأسباب دينية أو سياسية. ورأوا أن هذا التشكيك يمسّ بالنص القرآني والتاريخ الديني المتواتر.
رغم اتفاقهم جزئياً مع كون القرآن مرجعاً لغوياً وتاريخياً عظيماً، إلا أنهم رفضوا إلغاء القيمة التاريخية للشعر الجاهلي بالمطلق، معتبرين أن “الشك المطلق” في تراث أمة بأكملها هو إسقاط للهوية وليس بحثاً علمياً منصفاً.
2. الجبهة الثانية، النقد الأدبي العنيف (الرافعي ومحمود محمد شاكر) وعلى الصعيد الأدبي الصرف، تصدى لطه حسين عمالقة من أصحاب الذوق الرفيع والتمكن اللغوي، كان على رأسهم الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي، والعلامة محمود محمد شاكر الذي رأى أن طه حسين استورد مناهج غربية (مثل الشك الديكارتي) وطبقها بقسوة وتعسف على لغة وتراث يحملان خصوصية بليغة وفريدة لا تنطبق عليها قواعد الفلسفة الأوروبية.
ودفاعاً عن عبقرية اللسان العربي: أكد النقاد أن خصائص الشعر الجاهلي من متانة السبك، وبلاغة الوصف، ووحدة الوزن، وتعدد الأغراض، هي أدلة ذاتية ناطقة بصدق نسبتها لأصحابها، وأن اتهام الرواة كلهم بالوضع والكذب هو تعميم جائر يهدم أساس التراث العربي بأكمله.
وبتهمة الاستشراق، ذهب بعض النقاد إلى أن أطروحة طه حسين لم تكن وليدة محض تفكيره الحر، بل تأثرت بأطروحات المستشرقين الأوروبيين (مثل مارجليوث) الذين سعوا للتشكيك في أصالة الشعر العربي والقرآن الكريم معاً.
3. الجبهة الثالثة الميزان التاريخي: ما الذي بقي من أطروحة طه حسين اليوم؟
بعد مرور قرن كامل على هذه المعركة الفكرية، سؤالنا هو كيف ينظر النقد الحديث المنصف إلى كتاب “في الشعر الجاهلي”؟
ومن أجل الانتصار للمنهج النقدي اليوم، يُجمع الأكاديميون على أن طه حسين” كان مصيباً في أصله مخطئاً في تعميمه” ؛ فهو لم يُبدع فكرة “انتحال الشعر” من عدمه، فقد سبقه إليها علماء قدامى (مثل ابن سلام الجمحي والجاحظ اللذين شككا في أجزاء من الشعر المنسوب للجاهليين)، لكنه تجرأ وطرحها بصورة شمولية صادمة هزت راحة العقل العربي.
وبضرورة النقد التاريخي للتراث وبفضل هذه الصدمة، تكرست في الجامعات العربية مناهج البحث العلمي الحديثة التي لا تُقدّس النص الموروث لمجرد قدمه، بل تفحصه، وتمحص أسانيده، وتنقد متونه لغوياً وتاريخياً.
لكن المؤرخون أقروا لاحقاً بأزمة الوثاقة وبصحة جزء كبير من ملاحظات العميد حول تداخل الروايات الإسلامية والأموية في صياغة بعض المدوّنات الشعرية، وأن الشعر الجاهلي المدوّن هو بالفعل “مرآة لعصر الرواية والتدوين” بقدر ما هو مرآة لعصر الجاهلية.
و خلاصة القول، لم يكن كتاب “في الشعر الجاهلي” مجرد دراسة في عروض الشعر وقوافيه، بل كان معركة حرية العقل البشري في مواجهة سلطة التقليد المطلق. لقد علمنا طه حسين أن التراث ملك للأمة وليس صنماً يُعبد، وأن الشك المنهجي هو أول درجات اليقين العلمي الناضج.
وبهذه المحاكمة الكبرى نختتم رحلتنا مع هذا السِفر الخالد.
بعد هذه القراءة التفصيلية لجميع محطات الكتاب.. هل ترى ايها القارئ أن طه حسين كان “مُصلحاً جريئاً” فتح أبواب النقد لعقلنا الحديث، أم “مُتسرعاً” هدم أركان الهوية والموروث؟




