


- بقلم: منصور السروري
تتأسس أطروحة الدكتور هاني جازم الصلوي في مجلدي كتابه “شبق المتاهات من تشكل العظام والحصى إلى اللامتناهي الشبكي” على زحزحة إبستمولوجية راديكالية تنزع عن التكنولوجيا والإنترنت رداء الأداة والوسيلة، لترتقي بهما إلى مرتبة البيئة الأنطولوجية الشاملة التي تعيد صياغة الكائن البشري والوعي الإنساني برمته.
إلى حد بعيد استطاع الباحث عبر جزأي المشروع إقامة صرح فلسفي ونقدي باذخ يسعى لفض الاشتباك المفاهيمي وتأسيس رؤية عربية طليعية تنفلت من وثن التبعية لمركزيات الغرب، وتستند إلى حفريات أركيولوجية تراثية عميقة، ويتبلور ذلك من خلال هذا الكتاب بجزئيه؛ الأول الموسوم بـ “التبادؤات اللاخطية” والثاني الموسوم بـ “سير الآداب الرقمية شبكياً”، إلى جانب مبحث رصين سبقهما هو كتابه الموسوم “الحداثة اللامتناهية الشبكية ـ آفاق بعد ما بعد الحداثة في أزمنة النص ميديا”.
وكلا المؤلفين/المؤلفات الثلاثة تعد إسهامات متميزة تضع الباحث هاني الصلوي ضمن الرواد العرب المؤسسين لمرحلة أدب بعد ما بعد الحداثة أو أدب اللامتناهية الرقمية، هذا إن لم يكن أبرزهم على المستوى العربي، بقطع النظر/البصر عن المآخذ التي يمكن أخذها عليه في الطريقة البحثية أو المنهجية البحثية التي تغلب عليها السريالية في إخراج أطروحاته عبر هذه المؤلفات، إلا أن تلك المآخذ لا تلغي دوره الريادي وإنما تؤصل له الأسبقية في تأسيس “مدرسة ما بعد الإنسانوية الرقمية ذات الجذور العرفانية” في الأدب العربي.
في المحاور أدناه إثبات كافٍ لما طرحته أعلاه.
المحور الأول
الإسهامات المعرفية والإضافات الجمالية.
يقدم الدكتور هاني الصلوي في كتبه الثلاثة، خاصة كتابه “شبق المتاهات” بمجلديه، صياغة فلسفية ونقدية تجسر الفجوة بين التقنية والفكر، وتنتشل العقل العربي من ربقة المناهج الحداثية الصلبة، عبر منظومة ممتدة من الإيجابيات المتكاملة:
• التحول الراديكالي من أداة التقنية إلى أنطولوجيا الوجود الشبكي عبر إزاحة الشاشة من خانة الأجهزة إلى بيئة حيوية تعيد خلق الكون.
• إعلان ما بعد الكائناتية وموت الذات المنفصلة لصالح شبكة لامتناهية تتداخل فيها الأجساد والعقول بالخوارزميات والفيروسات.
• تأصيل واجهة (الإنسان-الآلة) بوصفها الاتصال الشعوري والمعرفي الأكثر حسية وأهمية في الواقع المعاصر بدلاً من العلاقات البيولوجية التقليدية.
• طرح مفهوم التبادؤات اللاخطية كبديل فلسفي نهائي لمقولات السببية والتراتبية الزمانية والمكانية التي تكبّل الفلسفة الكلاسيكية.
• فض الاشتباك المفاهيمي عبر وضع حدود إجرائية تفصل بدقة بين التقنية والآلية والتكنولوجية واللاتناهي الشبكي ما بعد الرقمي.
• تفكيك التراتبية الحداثية وتحرير وعي المتلقي عبر رفض التعاقب الصارم بين المجلدات وتحويل القارئ إلى شريك فاعل في نسج المعنى.
• الانتقال من التناص الأدبي التقليدي إلى سلطة النصوصيات المطلقة التي تلتهم الذوات المبدعة داخل بحر خوارزمي متلاطم.
• الحفريات الأركيولوجية العبقرية في التراث العربي والإسلامي وتبيئة السيولة المعرفية المتمثلة في تجريبية جابر بن حيان وعلم “الدربة”.
• المقاربة الأنطولوجية الشجاعة بين أطروحة المتكلم المعتزلي إبراهيم بن سيار النظام حول “الأجسام اللطيفة” وبين الشفرات والبيانات المعاصرة.
• تبيئة الممارسة الصوفية تقنياً عبر إثبات أن تجارب الحلول والاتحاد ووحدة الوجود عند ابن عربي والحلاج هي الممارسة البدئية للإذابة الرقمية في الشبكة.
• تفكيك عجز النخب العربية المسماة بـ “مجتمعات الظلال” التي تفصل تزمتاً بين النظري والتطبيقي وتتعامل مع التكنولوجيا كترفيه سطحي.
• تطبيق النص التشعبي على البنية التأليفية للوسيط الورقي بممارسة اللاخطية وتصميم الكتاب ليدخل منه القارئ من أي مبحث يشاء.
• الأنثروبولوجيا العميقة للأداة عبر تتبع مسار التقنية من الحجر والعصا كنواب عن العضلات إلى الذكاء الاصطناعي كبديل للذهن البشري.
• مد الجسور النقدية مع الفلسفات الغربية الكبرى ومحاورتها بنقد عربي فاعل يفكك الخلط المفاهيمي لدى مفكرين عالميين كـ دوجلاس كيلنر.
• تشريح لحظة “وفاة ما بعد الحداثة” واستشراف حركات المقاومة الفنية والجمالية الساعية لليقين الإجرائي مثل جماعة دوغما الدنماركية.
• اجتراح جهاز مصطلحي ونقدي متطور يوازي سيولة العصر ويستشرف “أنطولوجيا الشاشة” عبر مفاهيم حديثة كـ (الـ Zoom الفلسفي) والانشطار البياناتي.
• تأسيس النقد الرقمي الفوار والدعوة لفك حصار القوالب المعجمية عن اللفظة العربية لتحرير طاقتها الشعاعية المتداخلة مع المعرفة الرقمية. ثم يخلص في إسهاماته إلى طرح أسئلة صادمة مثل: هل يدرك النقد العربي حجم التحول الأنطولوجي الذي أحدثه مفهوم “اللاتناهي الشبكي” في بنيتنا الفكرية والمعرفية..؟ كيف يمكن للنص المطبوع أن يستوعب تدفقاً بياناتياً ينسف خطية الزمن وجبرية الصفحات..! تلك كانت أبرز الإسهامات المعرفية والإضافات الجمالية في تأسيس مدرسة ما بعد الإنسانوية الرقمية ذات الجذور العرفانية.
المحور الثاني
أبرز المآخذ الإبستمولوجية في أطروحاته
على الرغم من الشجاعة الفكرية والبذخ المعرفي الذي يطبع مشروع الصلوي، إلا أن هذه المشاغبة المعرفية تفتح الباب واسعاً أمام مآخذ منهجية وبنيوية أكثر منها إشكالية معرفية.
مآخذ يمكن رصدها على الكتاب والكاتب في كتاب شبق المتاهات بجزئيه هي:
• الإغراق في التعمية الأسلوبية ونحت مصطلحات تجريدية فائقة التعقيد تحول الكتاب إلى نص نخبي مغلق يستعصي على الباحث المتوسط.
• تناقض الوسيط الورقي الصارخ حيث يشن الكتاب هجوماً ضارياً على مطبوعة جوتنبرغ بينما تظل أطروحاته سجينة قالب ورقي مطبوع.
• ممارسة الأنكرونية والإسقاط التاريخي عبر تحميل نصوص كلامية وصوفية قديمة مفاهيم خوارزمية وتقنية فائقة الحداثة لم تكن في ذهن أصحابها.
• النزوع نحو العدمية التكنولوجية والتسليم بموت الإنسان والإشادة بالآلة مع إغفال الوحشية الرأسمالية والانتهاكات الأخلاقية للذكاء الاصطناعي.
• تضخيم واجهة (الإنسان-الآلة) واختزال الوجود التقني عبر تغليب الشاشة على حساب الاحتياجات البيولوجية والعاطفية والعلاقات الواقعية الحية.
• الاستعلاء الإبستمولوجي والحدة المقصلية تجاه النخب العربية واختزال جهودهم في “مجتمعات الظلال” والتأسيس لعشوائية نقدية عبر مأسسة “اللامنهج”.
• الوقوع في الحتمية التقنية الجارفة والقطيعة الحادة مع الثقافة الورقية والتغافل عن أن الفضاء الرقمي هو امتداد للبنى النصية التدوينية الورقية.
• الصدم الجمالي والخلط بين تفكيك القيم والاندماج الافتراضي عبر جمع الأضداد المقززة في سطر واحد مما يظهر كـ تبشير بإسقاط المنظومة الأخلاقية.
• المفارقة بين الهجوم على التقعيد الحداثي والوقوع فيه عبر فرض جهاز مصطلحي متزمت وقسر الظواهر الأدبية داخل مصفوفة مفاهيمية خاصة بالمؤلف.
• ضبابية البديل الإجرائي والتطبيقي وغياب المعايير النقدية الواضحة التي تمكن الباحث من الفرز بين النص الرقمي المبدع وبين الفوضى والابتذال البياناتي.
• الضبابية المنهجية والخلط التوصيفي بين حدود التفكيك الأدبي لتظهير النص التشعبي وبين الفلسفة الخالصة لما بعد الكائناتية وموت الذات الإنسانية. لم يتطرق في أطروحاته إلى سؤال في غاية الأهمية خلاصته: هل سيسقط النقد الرقمي في فخ العشوائية الانطباعية حين يتخلى عن كل الفرضيات المسبقة والمناهج المعرفية الصلبة..؟ ما أشد المفارقة حين يحارب المفكر قيود المطبعة الورقية وهو يتكئ على أوراقها لنشر أطروحته الفلسفية..!
المحور الثالث
المكانة الريادية في مدرسة ما بعد الإنسانوية الرقمية
أعتقد غير جازم أن الدكتور هاني جازم الصلوي يعد المؤسس والشخصية الرائدة لـ “مدرسة ما بعد الإنسانوية الرقمية ذات الجذور العرفانية” في الفضاء الفكري والنقدي العربي المعاصر.
وهي مدرسة طليعية تجمع بين جنون التكنولوجيا المعاصرة وسيولة البيانات، وبين الحفريات التراثية العميقة للهدم والخلخلة.
وتتجسد إسهاماته ومكانته الريادية علاوة على ما أشرت إليه في المحور الأول بعدد من النقاط المهمة هي:
• الريادة التأسيسية ونقل الأدب الرقمي من خانة الشكليات التفاعلية إلى خانة “المشروع الأنطولوجي الفلسفي الشامل” الذي يعيد تعريف الكائن البشري والوجود.
• تجاوز المركزية البشرية وإعلان القطيعة مع مقولات الحداثة والغرب عبر صياغة مفهوم “ما بعد الكائناتية” وإذابة الذات الفردية داخل الشبكة.
• إعادة استزراع فلسفة ما بعد الإنسانوية في التربة العربية بمرجعية عرفانية صلبة مستمدة من وحدة الوجود الصوفية وفكر المعتزلة.
• تأصيل مفهوم الأنطولوجيا الرقمية للشفرات والبيانات والربط المبتكر بينها وبين الأجسام اللطيفة في الفكر الكلامي عند إبراهيم بن سيار النظام.
• تأسيس مفهوم “التبادؤات اللاخطية” وكسر السببية التاريخية والتراتبية الزمانية في الممارسة النقدية العربية وتطبيقها عملياً على بنية الكتاب المطبوع.
• صياغة المانفيستو المصطلحي المكتمل لهذه المدرسة عبر اجتراح لغة نقدية خاصة شملت مصطلحات مثل (اللاتناهي الشبكي، النصوصيات المطلقة، أنطولوجيا الشاشة، ومجتمعات الظلال).
• تفكيك الاستغراق الغربي في السخرية والتشتت من خلال تسليط الضوء على حركات المقاومة الجمالية العالمية وإعادة توجيه العقل النقدي العربي ونحوه.
• دعوة النقد الأدبي للتحول نحو “النقد الرقمي الفوار” المستند لـ “العلم الموجه بالبيانات” لمواكبة طوفان الذكاء الاصطناعي والتوليدية الرقمية.
•••
أخلص إلى التأكيد بأن هذه الأطروحة الشاملة الممتدة عبر مجلدي “شبق المتاهات” تجعل من الدكتور هاني جازم الصلوي مرجعاً استثنائياً وباحثاً طليعياً استطاع أن يمارس مشاغبة معرفية جسورة؛ ليزحزح المفاهيم المستقرة ويجبر القارئ والنقاد على مغادرة منطقة التلقي الآمن، والقفز الشجاع في طوفان البيانات والسيولة الشبكية لعصر بعد ما بعد بعد الحداثة.
أما إذا أردنا صياغة مصطلح دقيق لتصنيف الدكتور هاني الصلوي وكتابه فيمكن تصنيفه كأحد أبرز رواد “مدرسة ما بعد الإنسانوية الرقمية ذات الجذور العرفانية”؛ وهي مدرسة تجمع بين جنون التكنولوجيا الفائقة وسيولة البيانات المعاصرة، وبين عمق الحفريات الفلسفية والصوفية في التراث العربي القديم لهدم قوالب الحداثة الصلبة وتناضل في سبيل الخروج من عباءات التبعية للغرب، والإقتدار في تأسيس فلسفة رقمية عربية خاصة..؟
فيا لها من جسارة معرفية ما فتئت تدأب على إذابة التراث الصوفي والكلامي في لظى الشفرات الخوارزمية وصخب الذكاء الاصطناعي..!




