
- بقلم: فارس العليّ
المحور الثالث: محاكمة الدوافع – أسباب انتحال الشعر الجاهلي.
السؤال الأهم: لماذا زُيِّر الشعر الجاهلي؟
في الحلقتين السابقين، رأينا كيف أعلن الدكتور طه حسين استخدام منهج “الشك الديكارتي”، وكيف أثبت أن الجزء الأكبر مما يُسمى “شعراً جاهلياً” إنما هو شعر مُنتَحل ومصنوع قيل بعد ظهور الإسلام، وأن القرآن الكريم هو مرآتنا الأصدق للجاهلية.
وهنا يفرض السؤال الكبير نفسه على العقل: إذا كان هذا الشعر قد أُنشف وصُنِع بعد الإسلام بالفعل.. فما الذي دفع الشعراء والرواة والسياسيين والفقهاء إلى ارتكاب هذه الجريمة الأدبية والتاريخية؟ ما هي الدوافع والمصالح التي جعلتهم يختلقون آلاف الأبيات وينسبونها لشعراء رحلوا منذ عقود؟
في هذه الحلقة، سنغوص في (الصفحات 53 – 110)، لنستعرض مع العميد المحاكمة التاريخية للأسباب الستة الكبرى التي أدت إلى وضع الشعر وانتحاله.
1. العامل السياسي (الصراع العصبوي والحزبي)
يرى حسين أن السياسة كانت أسبق وأقوى الأسباب التي دعت إلى اختلاق الشعر بعد ظهور الإسلام.
فنظام الخلافة والصراعات التي نشبت بين المسلمين (بين قريش والأنصار، وبين بني أمية وبني هاشم، وبين الخوارج والشيعة) حوّلت الأدب إلى سلاح إعلامي ودعائي.
التشريف والتفاخر، إذ كانت كل طائفة أو قبيلة تسعى لإثبات أن لها الشرف القديم والمكانة والسبق في الجاهلية والإسلام.
صناعة المجد، عندما لم تكن القبيلة تجد في تراثها الجاهلي ما يكفي لمواجهة خصومها، كان الرواة والشعراء يضعون لها أشعاراً تناسب حاجتها السياسية وتُنسب لأجدادها!
مثال لذلك: الأشعار المصنوعة في مديح أو هجاء بعض البيوتات القرشية أو الأنصارية لتبرير الاستحقاق بالخلافة أو الملك.
2. العامل الديني (تأويل القرآن وإثبات النبوة)
كان للدين – بدوره – أثرٌ لا يقل خطورة عن السياسة في وضع الشعر ونحله. ويتجلى ذلك في مسارين:
أولاً: إثبات علامات النبوة والإرهاصات:
سعى بعض القُصّاص والمتكلمين إلى وضع أشعار على ألسنة أناس في الجاهلية (كـ “قس بن ساعدة”، و”أمية بن أبي الصلت”، و”زيد بن عمرو بن نفيل”)، تصوّرهم وكأنهم كانوا يبشرون بمجيء النبي ﷺ بلغة واضحة، لإثبات أن النبوة كانت متوقعة ومبشراً بها في لسان الجاهليين.
ثانياً: تفسير غريب القرآن والدفاع عن لغته:
عندما اتسعت الدولة الإسلامية ودخل الأعاجم في الدين، صار العلماء بحاجة إلى إثبات أن كل كلمة في القرآن هي من أفصح كلام العرب. فكان بعض الرواة يضعون أبياتاً شعرية تناسب اللفظة القرشية الغريبة ليقولوا: “ها هي ذا موجودة في شعر الجاهلية!”.
3. تأثير “القُصّاص” (صنّاع الحكايات)
يعرد طه حسين باللائمة على ظاهرة “القُصّاص”في المساجد والأسواق.
كان القُصّاص يجلسون للعامة ويروون لهم سير الأنبياء، وأخبار الأمم الغابرة، وأيام العرب القديمة (مثل سير عاد وثمود وإرم ذات العماد). ولكي تكون قصصهم ممتعة ومؤثرة ومطبوعة بالطابع العربي، كانوا يضعون فيها أشعاراً طوالاً على ألسنة ملوك وأمم قديمة لم تتكلم العربية الفصحى أساساً (مثل آذاق، وجرهم، وملوك اليمن)!
4. الشعوبية والصراع الحضاري
مع اتساع الدولة العباسية ودخول الفرس والأنباط والروم في جسم المجتمع العربي، نشأت حركة “الشعوبية”، وهي حركة فكرية وسياسية حاولت وضع شأن العرب والتقليل من مآثرهم ولغتهم لصالح الحضارات القديمة.
ماذا كان رد الفعل العربي؟ هنا قام الرواة المتعصبون للعرب بوضع آلاف الأبيات التي ترفع من شأن العرب ومآثرهم وتخترع لهم تاريخاً علمياً وفلسفياً في الجاهلية يضاهي تاريخ الفرس والروم.
في المقابل، صنع الشعوبيون أشعاراً ركيكة أو هجوية ونسبوها للجاهليين لإظهارهم بمظهر البدو الجُهّال الجفاة.
5. الرواة وضغوط الرواية (حمّاد وحفص وخلف الأحمر)
لم تكن القصة مجرد صراع سياسي أو ديني، بل كانت أيضاً في نظر طه حسين “مهنة وتجارة”. إذ انه ظهر في العصر الأموي والعباسي طبقة من “الرواة المحترفين” الذين يسجلون الأشعار ويدونونها للخلفاء والأمراء والعلماء (مثل حماد الراوية، وخلف الأحمر، وجناد).
كما أن شغف الخلفاء والغنائم يجعلهم يطلبون الغريب والمزيد من الشعر، ويجزلون العطاء لمن يأتيهم بنادر القصائد. ومن أجل الصناعة والاحتراف، كان بعض الرواة (كحماد الراوية) يملكون من القدرة اللغوية والشعرية ما يمكنهم من صياغة قصيدة كاملة على طريقة امرئ القيس أو زهير، وإدخالها في ديوانه دون أن يكتشفها أحد، طلباً للمال أو نصرة لمذهب! الا ان ذلك يجعلنا في حيرة عن قدرة هؤلاء على صناعة قصيدة بهذا المستوى العالي من السبك والإجادة.
الحصيلة المعرفية للحلقة الثالثة
1. السياسة والدين أداة تحريف: معظم الشعر الجاهلي المصنوع كان يستهدف كسب المعارك السياسية أو تأويل النصوص الدينية.
2. الشعر الجاهلي وثيقة إسلامية: هذه الأشعار المنتحلة – وإن لم تكن جاهلية صادقة – فهي وثيقة ممتازة تنبض بروح وصراعات وعقلية العصور الإسلامية الأولى (الأموي والعباسي).
3. أزمة التوثيق: الرواية الشفهية وتجارة التدوين فتحت الباب على مصراعيه للوضّاعين والمحترفين للعبث بالتراث الأدبي.
شاركوني رأيكم في التعليقات: أيٌّ من هذه الأسباب الخمسة ترونه الكاتب والأكثر تأثيراً في تزييف الشعر الجاهلي؟ السياسة أم الدين أم تجارة الرواة؟




