- أحمد طه المعبقي
كشفت الحرب في اليمن، إلى جانب عنف السلاح ودمار الدولة والمجتمع، عن أزمة أعمق في الوعي السياسي والاجتماعي، إذ أسهمت النخب السياسية والثقافية، بدرجات متفاوتة، في حرف مسار الصراع عن جوهره الوطني، وفي إعادة إنتاج الهويات الفرعية بوصفها أدوات للتعبئة والحشد. وهكذا لم يعد الصراع يقدم دائماً باعتباره خلافاً حول شكل الدولة ومستقبلها ومؤسساتها، بل جرى تحميله أحياناً أبعاداً جغرافية ومذهبية ومناطقية، الأمر الذي جعل الحرب أكثر قدرة على تفكيك المجتمع وأقل قدرة على إنتاج حل سياسي وطني.
ومن هنا، فإن استعادة الهوية الوطنية اليمنية لا تبدأ بإلغاء التنوع، وإنما بتحريره من التوظيف السياسي، وبإعادة بناء دولة يكون فيها اليمني مواطناً قبل أن يكون حزبياً أو مناطقياً أو مذهبياً، وتكون فيها مؤسسات الدولة فوق الجماعات، والقانون فوق الولاءات، والكفاءة فوق المحاصصة، والاختلاف حقاً لا سبباً للإقصاء.
فاليمن لا يحتاج إلى خطاب عقائدي أحادي في مواجهة خطاب عقائدي آخر، وإنما يحتاج إلى خطاب وطني يعترف بالتنوع ويحميه، ويجعل المواطنة المتساوية أساساً للانتماء، والدستور والقانون مرجعية لتنظيم الخلاف، والدولة إطاراً مشتركاً لكل اليمنيين.
خلاصة القول.. لا تكمن المشكلة اليمنية في ممارسة الناس لشعائرهم الدينية، فتنويع المذاهب الدينية حق إنساني كفلته التشريعات الوطنية والمواثيق الدولية، وليس تهديداً للهوية الوطنية. الخطر يبدأ عندما يجري تحويل المذهب من مجال للعبادة والهوية الثقافية إلى مشروع سياسي مغلق، أو عندما تستخدم الطقوس والانتماءات الدينية لتبرير احتكار السلطة أو إقصاء المختلف. عندها يحل فقه الجماعة محل القانون، والولاء للجماعة محل المواطنة، والعقيدة السياسية محل العقد الاجتماعي.
ومن أخطر نتائج الحرب أن القوى الدينية والمذهبية والمناطقية أصبحت حاضرة في صناعة القرار السياسي والعسكري والإعلامي في جميع أنحاء البلاد، مما ساهم في تعميق الانقسامات وتفكيك الهوية الوطنية.
في الأخير، نستطيع القول بأن الحرب في اليمن ليست في جوهرها أزمة هوية، بقدر ما هي أزمة مواطنة، إذ لم يعد الصراع يدور حول من نحن، بل حول كيف نعيش كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. فالهويات المحلية المتعددة في اليمن كانت قادرة تاريخياً على التعايش، لكن غياب دولة المواطنة وسيادة القانون وتكافؤ الفرص، وتحويل الانتماءات إلى أدوات للصراع والنفوذ، عمق الأزمة وأطال أمد الحرب. لذلك فإن مدخل السلام الحقيقي لا يبدأ بإلغاء التنوع، وإنما بتحويلها من أدوات للصراع إلى مكونات متساوية في الحقوق والواجبات دون تمييز، وحين تصبح المواطنة هي الرابط الأعلى بين اليمنيين، يصبح التنوع مصدراً للقوة، لا وقوداً للحرب.





