
- بقلم: د. عبدالعزيز علوان
من «لعبة الألوان ووجه الوجوه المقلوبة» يأتي «بغيض الأغشي» ليصدع بهذا
الاحتجاج الشعري:
كم تستفز، وكم تُصالحْ
كثُرت على الدرب النوابحْ
كثُرت شكولٌ، مالها
شكلٌ، ولا عنها روائحْ
وبعد أن يسرد الاحتجاج الشعري تفاصيل التصالح والمذابح، يختتم بيانه بالقول:
تغشى بمفردك الردى
الخلط يفسد كل صالحْ
وللقاتلة… حبًّا، يقول البردوني:
خبزي من كفي غيري
غيري يبنيه زندي
وفي «زمان بلا نوعية» نجد البردوني يسأل:
هل جدّ شيء؟ غير أن المنى
كانت وعودًا، فاستحالت وعيدْ
وكان يدري العبد مأساته
واليوم لا تدري، عبيد العبيدْ
لأن من قاموا بلا قامة
عن أمر من قاموا؟ يعيش القعيدْ
وتدخل، بعد هذا السؤال، تحولات «أعشاب الرماد»، ومفارقة الوعي الثوري في جدليته المعرفية:
عرفتُ لماذا.. كنتُ قتلي وقاتلي
لأن الذي يعطيني الخبز، آكلي
لأني بلا ريحٍ.. إلى الريح أنتمي
فيومًا يمانيًّا، ويومين (باهلي)
وطورًا غروبيًّا، وطورًا مشرقًا
وحينًا صدىً، حينًا نشيدًا (سواحلي)
وتصبح المواجهة حادّة بعد هذا المشهد الجدلي بين السلطان والثائر الشهيد، حين يوجّه السلطان اتهامه إلى الثائر الشهيد:
أبكل عيون الشعب ترى؟
أبكل جوانحه تعشق؟
تحمر هناك، تموج هنا
من كل مكان تتدفق
وفي «ترجمة رملية لأعراس الغبار» تأتي خاتمة الثورتين بشكل أكثر مأساوية:
يا سِبتمبر، قُل لأكتوبرْ
كل منَّا أمسى في قبرْ
بين القبرين، نحو الشبرين
أترى الحفار أطال الشَّبرْ؟
أسرعتُ أنا، ولحقتَ على
خطِّ المجرى، طلَّقتَ الصبرْ
نفس الشيطان، أخذ العنوان
وأتى وحشًا في جلد الحَبْرْ
وكما أَرْيَضَ سبتمبرُ مبكرًا بالمصالحة، أَصْلَلَ أكتوبرُ يرسم حدوده مع مسقط:
أَصْلَلْتَ كما، أَرْيَضْتُ أنا
وهنا كهُنا، طوعًا أو جبرْ
فكلا القصرين، خبر الشطرين
وأنا وأخي، من قتلى الخَبْرْ
سعيٌ مشكورْ، صلحٌ مزبورْ
يا طفلَ سبأ، وقَّعتَ الزَّبْرْ
ويستمر الديوان في كشف علاقة اليوم بما هو امتداد تاريخي لخيانة الأمس:
المستهل الآن يبدو الخاتمَهْ
أتعود؟ أمْ تأتي الفصولُ القادمَهْ؟
القادمات مريرةٌ، أو أنها
أحلى؟ تعاكست الظنونُ الرَّاجمَهْ
ومن هنا يعرج البردوني إلى «أولاد عرفجة العبشي»:
قيل عنهم: تمردوا وأطاعوا
وكأمثالهم، أضاعوا وضاعوا
قيل: جاؤوا مِن صخرتين بوادٍ
قيل: شبّوا كما تطول التّلاعُ
قيل: هم إخوة، وقيل: رفاقٌ
قيل: هم جيرةٌ غذاهم رضاعُ
وكما داهم سيلُ العَرِم مأربَ التاريخ والحضارة، داهمتها «الأكفُّ الناعمة» على نحوٍ آخر؛ فغدت مأربُ التاريخ مأربًا للمآرب.
وبهذه الهشاشة التي أخذت تتكشف في مصائر سبتمبر وأكتوبر، يصرح البردوني:
خمسون عامًا من عظامي غدتْ
خمسين نعشًا فوق ظهري تسيحْ
تمشي بأرماسي، وأمشي بها
فما الذي عني وعنها أُزيحْ؟
تَشِتُّ أنقاضي رياحُ الضحى
تَلُمُّني ريحُ الدجى، كالضريحْ
ومن آخر الكأس يحتسي البردوني ثمالةَ اللايقين السبتمبري؛ فلا شيء انتهى تمامًا، ولا شيء بدأ كما ينبغي:
نعم، لا انتهى شيءٌ، ولا غيره ابتدا
لمن أشتكي؟ لا الأهل جاؤوا، ولا العِدا
تجيءُ ملايين القبور كغيرها
كأنَّ الرَّدى في قبضتيها سوى الرَّدى
لأنَّ الغرابات التي تغزل الحصى
عيونًا، وجوهًا، تنسج الحلم أرمدا
وفي «أطوار بحَّاثة نقوش» يستعيد البردوني محطاتٍ من التاريخ اليمني، فيستحضر زمن الانسحاب وكريتر، ثم يضع أمامنا صورة اليمني الذي يبدو حرًّا في مظهره، لكنه يظل في مواجهة الغنى والسلطة:
تكسَّرتْ في زمن (الانسحاب)
ويوم «كريتر» ذُبحت اليهود
بذي «السك» أحرقت طيارتين
على الإنجليز، السلاح الزنود
أراكم حفاةً.. نعم كالنمور
لأهل الغنى، لبس تلك «المسود»
* تعز_ 2026.




