
- بقلم: قاسم المحبشي
البحر ليس مجرد مساحة زرقاء تفصل بين اليابسة واليابسة، كما أن التاريخ ليس مجرد سلسلة من الوقائع التي حدثت على الأرض ثم مضت في ليل التاريخ. البحر، هو، أحد أعظم كتب التاريخ المفتوحة، لكنه كتاب لا يُقرأ بالعين وحدها، بل يحتاج إلى أن نصغي إلى أمواجه وتياراته وموانئه وحطام سفنه وذاكرة الذين عبروا مياهه ولم يعودوا. ولعل باب المندب، بوصفه أحد أهم الممرات البحرية في العالم، يقدم لنا نموذجاً استثنائياً لفهم العلاقة المركبة بين الجغرافيا والتاريخ والأسطورة والاقتصاد والسياسة والحرب والحضارة.
فحين نتحدث عن باب المندب، فإننا لا نتحدث عن مضيق جغرافي فحسب، وإنما عن بوابة تاريخية ظلت مفتوحة بين عالمين: الجزيرة العربية وشرق أفريقيا، البحر الأحمر والمحيط الهندي، الشرق والغرب. ومن هذه البوابة عبرت السفن والتوابل والبخور والذهب والعاج والقهوة والحرير والأفكار واللغات والأديان والبشر، كما عبرت منها الجيوش والأساطيل والإمبراطوريات والأطماع الاستعمارية. ولذلك تبدو عدن، الواقعة على تخوم هذا العالم البحري، وكأنها مدينة ولدت وهي تحمل في جغرافيتها سؤال التاريخ.
إن اسم باب المندب نفسه يحمل شيئاً من الغموض الأسطوري الذي يليق بمكان ظل طويلاً على تخوم المجهول. فالمعنى الشائع للاسم هو «باب الدموع» أو «بوابة الأحزان»، وقد ارتبط في بعض الروايات القديمة بأخطار الملاحة وما فيها من رياح وتيارات وشعاب وجزر ومخاطر، فيما ربطته أساطير أخرى بكارثة طبيعية أو بدموع الذين فقدوا أحباءهم في البحر. وهذه التعددية في تفسير الاسم ليست أمراً هامشياً؛ فالإنسان حين يعجز عن تفسير الطبيعة تفسيراً علمياً يميل إلى منحها معنى أسطورياً. ومن هنا تتحول الجغرافيا إلى ذاكرة، والمكان إلى حكاية، والخوف إلى اسم وليس غريباً أن يبدو البحر في المخيلة الإنسانية عالماً آخر، لا يقل غموضاً عن السماء. ففي الأزمنة القديمة كان الإنسان يرى اليابسة ويعرف حدودها، لكنه لا يعرف بالضرورة ما يوجد وراء الأفق. كان البحر يفتح أمامه إمكانات لا نهائية للمجهول. وربما لهذا ارتبطت البحار في الأساطير القديمة بالآلهة والوحوش والموت والمغامرة. وكان عبور البحر فعلاً وجودياً قبل أن يكون فعلاً تجارياً؛ إذ كان البحار يترك وراءه العالم الذي يعرفه ويدخل عالماً لا يعرفه.
ومن هنا يمكن فهم القيمة الرمزية لباب المندب: إنه ليس مجرد باب جنوب البحر الأحمر بل باب بين عالمين. ومن يعبره لا ينتقل فقط من جغرافيا إلى أخرى، وإنما يدخل شبكة واسعة من العلاقات الإنسانية التي صنعت تاريخ المحيط الهندي والبحر الأحمر منذ آلاف السنين.
وقد ظل هذا الممر جزءاً من حركة بحرية وتجارية كثيفة منذ العصور القديمة. فالسفن التي كانت تتحرك بين جنوب الجزيرة العربية وشرق أفريقيا والهند لم تكن تحمل البضائع فقط، بل كانت تحمل معها أنماط الحياة والعادات والأديان واللغات والأفكار. إن البحر، بهذا المعنى، لم يكن حاجزاً بين الشعوب، وإنما كان أحد أعظم وسائل اتصالها.
وهنا أجدني مضطراً إلى إعادة النظر في الصورة التقليدية للتاريخ. فقد اعتدنا أن نكتب تاريخ المدن والإمبراطوريات من خلال ما جرى على اليابسة: القصور، المعابد، الحروب، الملوك، الجيوش والحدود. لكن ماذا عن التاريخ الذي جرى في البحر؟ ماذا عن السفن التي لم تصل؟ والبحارة الذين ابتلعهم الموج؟ والبضائع التي غرقت؟ والموانئ التي ازدهرت لأنها كانت في طريق البحر، ثم تراجعت حين تغيرت طرق التجارة؟
إن جزءاً هائلاً من التاريخ ما يزال في قاع البحر.
وهنا يصبح البحر شبيهاً بالتاريخ، أو ربما يكون التاريخ هو الذي يشبه البحر. كلاهما متحرك، متغير، متداخل الطبقات، لا يستقر على صورة واحدة. فالأمواج لا تتوقف، والتيارات تتغير، والموانئ تصعد وتهبط، والمدن تولد وتموت، والإمبراطوريات تظهر ثم تختفي. وكما لا تستطيع أن تدخل البحر مرتين بالماء نفسه، فإنك لا تستطيع أن تقرأ التاريخ مرتين بالطريقة نفسها.
وقد استوقفني هذا المعنى وأنا أستعيد صورة الشاعر الكاريبي ديريك والكوت في قصيدته «البحر والتاريخ»، حيث يصبح البحر مستودعاً للذاكرة، يحتفظ في أعماقه بالسفن الغارقة وبقايا الذين عبروا ولم يعودوا. البحر هنا ليس خلفية للمشهد التاريخي، بل هو أحد أبطاله.
ولعل هذا هو الدرس الذي تعلمناه من مدرسة التاريخ الجديد، ومن أعمال فرناند بروديل على وجه الخصوص. فكتابه الشهير البحر الأبيض المتوسط والعالم المتوسطي في عصر فيليب الثاني لم يكن مجرد سرد لأحداث القرن السادس عشر، وإنما كان ثورة في النظر إلى التاريخ؛ إذ جعل الجغرافيا والمناخ والاقتصاد والحياة اليومية وحركة التجارة والزمن الطويل جزءاً من صلب العملية التاريخية. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى باب المندب باعتباره أحد مفاتيح قراءة التاريخ العالمي، لا تاريخ اليمن وحده.
فعدن لم تصبح مهمة لأن أحداً قرر أن يجعلها مهمة، وإنما لأن الجغرافيا منحتها موقعاً استثنائياً. إنها مدينة بحرية بامتياز، تقع على واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية في حركة الملاحة، وتواجه البحر العربي بالقرب من المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وباب المندب نفسه يصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ولذلك ظل ممراً بالغ الأهمية بين آسيا وأوروبا وشرق أفريقيا.
وفي ضوء ذلك كله، يبدو باب المندب اليوم أكثر من مجرد مضيق جغرافي تعبره السفن؛ إنه مرآة مكثفة لتاريخ عدن واليمن والعالم. فمنذ أقدم العصور كان هذا الممر البحري جسراً بين البحار والحضارات، ثم تحول في عصر الإمبراطوريات إلى طريق تتنافس القوى على السيطرة عليه، وما يحدث فيه اليوم يعيد، بصورة مختلفة، طرح السؤال القديم عن العلاقة بين الجغرافيا والقوة والتاريخ. فحين تضطرب الملاحة في باب المندب، لا يبقى أثر الاضطراب محصوراً في سواحله، بل يمتد إلى طرق التجارة والطاقة والنقل وسلاسل الإمداد والتأمين، ليكشف من جديد أن ما يبدو صراعاً في نقطة صغيرة من الخريطة يمكن أن تكون له أصداء بعيدة في العالم كله. ومن هنا فإن مأساة باب المندب لا تكمن في أنه صار ممراً للخوف فحسب، وإنما في أن موقعاً كان يمكن أن يكون جسراً للتواصل والتنمية أصبح مرة أخرى جزءاً من خرائط الصراع.
ولعل المفارقة الأعمق أن الجغرافيا التي جعلت عدن مطمعاً للإمبراطوريات يمكن أن تجعلها، إذا أُديرت بعقل تاريخي ودولة مستقرة ومؤسسات فاعلة، مركزاً للتجارة والتواصل والسلام. فالبحر لا يختار بين الحرب والسلام؛ الإنسان هو الذي يقرر كيف يستخدمه. وباب المندب لا ينبغي أن يبقى «بوابة الدموع» في الذاكرة، بل يمكن أن يصبح بوابة للحياة إذا تحولت الجغرافيا من ساحة للتنافس والصراع إلى مجال للتعاون والتنمية. عدن لا تحتاج إلى أن تستعيد ماضيها كما كان، فالتاريخ لا يعود إلى الوراء؛ لكنها تستطيع أن تستعيد المعنى الحضاري لموقعها، وأن تجعل من الميناء جسراً إلى المستقبل لا هدفاً للصراع. فالجغرافيا تمنح الفرصة، والتاريخ يمنح الذاكرة، أما تحويلهما إلى مستقبل، فتلك مسؤولية الإنسان والدولة والمؤسسة. وربما يكون السؤال الذي يطرحه باب المندب علينا اليوم أبسط وأعمق من كل الخرائط: هل نجعل البحر طريقاً للسيطرة، أم طريقاً للتواصل؟ إن مستقبل عدن يبدأ من الإجابة عن هذا السؤال.





