- أ. د. قاسم المحبشي
في ضوء نظرية صراع الإنسان من أجل الاعتراف
ليست سبتة مجرد مدينة صغيرة على الساحل المتوسطي، بل هي نقطة جيوبوليتيكية تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية لتطل على أحد أهم مفاتيح التاريخ العالمي: مضيق جبل طارق. فمن يقف على سواحل شمال المغرب، بين الفنيدق والرأس الأسود (كابو نيغرو) ومرتيل، يدرك أن البحر هنا ليس فضاءً للمصطافين فقط، بل مسرحاً دائماً لتقاطعات التاريخ والسياسة والاستراتيجية. وعلى مقربة من هذا الساحل كان الملك المغربي محمد السادس يقضي جانباً من عطلته الصيفية قبل اعتلائه العرش فالبحر كان دائماً طريق التجارة، وجسر الثقافات، وميدان الحروب، ومصدر الثروة والنفوذ. ولذلك لم يكن الصراع بين القوى الكبرى صراعاً على الأرض فقط، بل كان ـ وما يزال ـ صراعاً على السيطرة على الممرات البحرية التي تتحكم في حركة العالم. ومن مضيق جبل طارق إلى مضيق هرمز، ومن باب المندب إلى البوسفور، وصولاً إلى الممرات البحرية في البحر الأسود والكاريبي، تتحدد موازين القوة الدولية بقدر ما تتحدد بقدرة الدول على حماية هذه الشرايين الحيوية للتجارة والطاقة والأمن العالمي.

وربما كان علينا إعادة قراءة التاريخ من منظور البحر واهميته الحيوية فالعالم الذي نعيش فيه لم تصنعه اليابسة وحدها، وإنما أسهمت البحار في تشكيل خرائطه السياسية والاقتصادية والثقافية عبر آلاف السنين. ولذلك تظل كل قراءة للتاريخ تغفل البعد البحري قراءةً ناقصة، لأنها ترى نصف المشهد، بينما يبقى النصف الآخر ممتداً فوق صفحة الماء، حيث ما تزال الجغرافيا تصنع السياسة، ويواصل البحر كتابة التاريخ فلا زالت بريطانيا تمتلك السيادة في جزيرة جبل طارق من أرث مستعمرات ماوراء البحار في حين تتقاسم مياه المضيق مع إسبانيا والمغرب وفق الأطر القانونية والمواثيق الدولية الملزمة.
وعليه لم يكن المشهد الذي تناقلته وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، أمس، لآلاف المغاربة وهم يحاولون العبور بحرًا نحو سبتة الإسبانية مجرد حادثة حدودية عابرة، ولا مجرد أزمة بين دولتين. كان مشهدًا إنسانيًا كثيف الدلالة، أشبه بصرخة جماعية خرجت من أعماق مجتمع يبحث عن نافذة نحو المستقبل. ففي تلك اللحظة لم يكن البحر مجرد مساحة مائية تفصل بين إفريقيا وأوروبا، بل أصبح الحد الفاصل بين زمنين: زمن يشعر فيه الإنسان أن حياته توقفت، وزمن آخر يتخيله أكثر رحابة وإمكانًا.
ما الذي يدفع الإنسان إلى البحث عن وطن بديل؟
ليس من السهل أن يقتلع المرء جذوره من الأرض التي ولد عليها، حيث اللغة الأولى، والبيت الأول، ووجوه الطفولة، وروائح الأزقة، وقبور الآباء والأجداد. فالوطن ليس مجرد مساحة جغرافية، بل هو ذاكرة وهوية وإحساس عميق بالانتماء. ولذلك فإن قرار الهجرة، خصوصًا عندما يشمل الأطفال والشيوخ والعائلات بأكملها، لا يمكن تفسيره برغبة عابرة في تحسين مستوى المعيشة، بل يكشف عن أزمة أعمق بكثير؛ أزمة يصبح فيها البقاء أكثر كلفة من الرحيل فالهجرة، في كثير من الأحيان، ليست بحثًا عن الثروة بقدر ما هي بحث عن ( الدولة الوطن) ليست الدولة بوصفها سلطة سياسية، بل بوصفها مؤسسة المؤسسات، والحاضنة الكبرى التي توفر لمواطنيها الحماية والنظام والعدالة. الدولة التي تشبه الأم الحانية؛ لا لأنها تمنح أبناءها العاطفة فقط، بل لأنها تحرس وجودهم، وتحمي حقوقهم، وتمنحهم شعورًا بأن الغد يمكن التنبؤ به.
فالدول العادلة ليست تلك التي تخلو من الأزمات، وإنما تلك التي تجعل الإنسان يثق بأن القانون أقوى من المزاج، وأن الكفاءة أهم من الوساطة، وأن كرامته ليست موضوعًا للتفاوض.
أما حين تتآكل الدولة، أو تتحول مؤسساتها إلى ساحات للصراع، فإن المجتمع كله يدخل في حالة سيولة خطرة، ويتحول الخوف من استثناء إلى قاعدة يومية. عندها لا يعود السؤال: كيف أعيش حياة أفضل؟ بل: كيف أنجو؟
ولا يختلف الناس في حاجاتهم الحيوية في كل زمان ومكان على كوكبنا الأرضي بحسب إبراهام ماسلو فالإنسان، قبل أن يفكر في تحقيق ذاته، يحتاج أولًا إلى ضمان بقائه. يحتاج إلى الطعام والماء والمأوى. ثم يحتاج إلى الأمن، وإلى الاطمئنان بأن حياته ليست مهددة بالعنف أو الفوضى أو الاعتقال أو الحرب.
وعندما يفقد الإنسان هذه الحاجات الأساسية، تتوقف بقية الطموحات. فلا معنى للحديث عن الإبداع أو الحرية أو تحقيق الذات، بينما ينشغل الإنسان بتأمين لقمة عيشه أو حماية أطفاله.
ثم تأتي الحاجة إلى الانتماء، وهي أكثر الحاجات تعرضًا للانهيار في المجتمعات المنقسمة. فالوطن الذي يفقد قدرته على احتضان جميع أبنائه يتحول تدريجيًا إلى فضاء يدفعهم إلى الهجرة نفسيًا قبل أن يدفعهم إلى الهجرة الجغرافية.
أما الحاجة إلى التقدير، فهي الأخرى تصبح ضحية للفوضى؛ إذ يفقد العمل قيمته، وتذبل الكفاءة، ويصبح النجاح رهين الولاءات لا الجدارة. وعندما يشعر الشباب بأن مستقبلهم محجوز سلفًا، يصبح البحر أقل رعبًا من الانتظار.
لكنني أعتقد أن ما يجري اليوم يحتاج إلى تفسير يتجاوز المقاربات الاقتصادية التقليدية.
وصف الصديق الافتراضي عبدالواحد فقيه من تطوان مشهد الهجرة الجماعية المغربية” بوصفها تمردًا على توزيع المستقبل فالمجتمعات لا توزع الثروة والعمل والمكانة الاجتماعية فقط، بل توزع أيضًا حق الناس في انتظار غد أفضل. وحين يحتكر بعضهم المستقبل، ويشعر آخرون أن الزمن توقف بالنسبة إليهم، يتحول الوطن إلى ماضٍ مستمر، بينما تصبح الضفة الأخرى، مهما كانت قاسية، زمنًا ممكنًا.
لهذا فإن المهاجر لا يقطع البحر بحثًا عن مكان جديد فقط، بل يحاول استرداد نصيبه من المستقبل. إنه لا يهاجر في المكان بقدر ما يهاجر في الزمن”
ولعل الطابع الجماعي للمشهد المغربي يكشف بدوره عن ظاهرة اجتماعية جديدة يمكن وصفها بـ الجسد الاجتماعي البديل وبحسب جوستاف لوبون تطلق كلمة جمهور ليس على أي تجمع بشري في أي مكان مثل الناس الذين يتواجدون في الشوارع في المدن المزدحمة بل تعني مجموعة كبيرة من الناس لديهم نفس المشاعر وجمعتهم دوافع مشتركة , وحدة المشاعر والعواطف والانفعالات شرط اساسي لمعنى الحشد القادر على البقاء مدة زمنية محددة .
فعندما يعجز الفرد عن تغيير واقعه منفردًا، يذوب داخل الحشد، فيتحول آلاف الأفراد إلى ذات اجتماعية واحدة، تتحرك بطاقة مشتركة من الخيبة والأمل والخوف والشجاعة المتبادلة فالجماهير غير ميالة كثيراً للتأمل والتفكير الطويل وغير مؤهلة للمحاكمة العقلية المنطقية ولكنها مؤهلة جداً للانخراط في الممارسة والعمل والفعل والحركة والتنظيم بما يجعل منها قوة ضخمة ليس بمقدور احد ايقافها وكبح جماحها
ولم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد ناقل للأخبار، بل أصبحت مصنعًا للمخيلة الجماعية. فصورة واحدة لشاب نجح في الوصول إلى الضفة الأخرى لا تنقل معلومة فحسب، بل تعيد تشكيل إدراك المخاطر لدى آلاف الشباب الآخرين. وهكذا يتكون “جمهور الرحيل” قبل أن يبدأ الرحيل نفسه.
الجماهير سريعة التحول والتفاعل مع المحرضات بالكلمات والرموز والشعارات ,فضلا عن كونها على بساطة عواطفها متطرفة في اتخاذ المواقف من الافراد الذين لسبب او اخر يتم تصنيفهم من انصار الى خونة وربما يتم ذلك عن طريق الأخطاء او الفاعلين الخبثاء .
إن ما شهدناه في مضيق جبل طارق ليس مجرد محاولة عبور جماعي، بل شكل جديد من أشكال الاحتجاج الصامت.
إنه احتجاج جماعي بالأجساد.
فالشباب الذين ظلوا غير مرئيين داخل المدرسة وسوق العمل والسياسات العامة، جعلوا أجسادهم على الحدود رسالة لا تستطيع الدول ولا وسائل الإعلام تجاهلها. إنهم يقولون، من دون كلمات: لقد اضطررنا إلى المخاطرة بحياتنا حتى تصبح حياتنا مرئية.
ورغبة الإنسان بالاعتراف كما قال آدم سميث هي الرغبة الأكثر التهابا في الطبيعة الإنسانية لا يوجد شخص يستطيع أن يبقى غير مبال بسمة اعتراف الآخرين به ولا يوجد ثمن نحن مستعدون لدفعه لكي نحظى بهذا الاعتراف وقد تخلى البشر بإرادتهم غالباً عن الحياة، وذلك لكي يحظوا بعد موتهم بسمعة لم يستطيعوا الحصول عليها والتمتع بها في الحياة). والحرية هي صراع من أجل الاعتراف حسب هيجل إذ يمكن للمرء أن يتحمل كل مصائب الدنيا مقابل أن ينجوَ من الاحتقار والإهمال والازدراء. وهذا هو ما دفع الفيلسوف الألماني المعاصر إكسل هونيت إلى تاليف كتابة المهم (النضال من أجل الاعتراف) 1992م إذ أكد أن كثيرا من النزاعات الاجتماعية والسياسية التي وجدت في الماضي أو الموجودة اليوم ربما تجد أسبابها في مسألة الاعتراف، التي من دونها يستحيل فهم الدوافع العميقة لمساعي وكفاح الناس وغاياتهم
ويرى عالم الاجتماعي الالماني اكسل هونيث ان الاعتراف المتبادل كفيل بوضع حد للصراعات الاجتماعية القائمة على السيطرة والهيمنة, ومن ثم يستطيع الافراد تحقيق ذواتهم وهوياتهم ضمن علاقات ذواتية مرهونة بتحقيق ثلاث نماذج معيارية متميزة للاعتراف وهي:
١-الحب :إذ أن المحبة شرطاً اساسياً و جوهرياً لحياة كل شخص ليتمكن من المشاركة في الحياة الاجتماعية المتعافية فمن المهم إلى أقصى حد ممكن أن يشعر الأفراد في المجتمع بان هناك من يبادلهم مشاعر المحبة في العائلة والمدرسة والمجتمع والدولة .فالحب هو جوهر بناء الحياة الأخلاقية والعاطفية السديدة والصحية ففي داخل كل ذات فردية إنسانية حاجة فطرية للمشاعر الحب وتبادلها.
٢- الحق:يمثل الحق جوهر الاعتراف على المستوى القانوني .لان الفرد يكتسب حق الاعتراف القانوني والاحساس بوجوده واحترامه من قبل الجميع فتمكين الناس من حقوقهم الفردية الأساسية : الحق في الحياة والحرية والعمل والخدمات العامة والعيش الكريم يجعل الذات قادرة على التعبير عن حاجاتها وتحقيق ذاتها في المجتمع والعالم بوصف الانسان هو فردا عالميا له حقوق وواجبات وتمكين الأفراد من حقهم القانوني يعزز لديهم حاجة احترام الذات وتقديرها وتحقيقها وتطويرها ومن ثم تحقيق الاندماج الاجتماعي المتعافي وبدون ذلك لن يتحقق المجتمع المنشود
٣- التسامح الإيجابي الذي يرتكز على الاعتراف المتبادل بين الفاعلين الاجتماعيين بالأهلية والقيمة والندية وتكافؤ الفرص بالقدرة والسلطة والنفوذ بما يكفل لكل طرف من الاطراف قول رأيه والتعبير عما يعتقده صوابا بحرية كاملة وظروف متكافئة , فالتسامح هو الشرط الضروري للتعايش والعيش بسلام والتفاهم بشأن المشكلات والأزمات والنزاعات الاجتماعية التي تنشأ في سياق الحياة الاجتماعية للناس الساعيين وراء اشباع حاجاتهم وتامين شروط حياتهم. ويمكن تلخيص أهم شرط من شروط التسامح الفعّال بانه الاعتراف بقيمة الآخر وجدارته ونديته وحقوقه المتساوية مع الجميع اعضاء المجتمع المعني وهو نمط من أنماط العلاقة بين الذات والآخر يعني التقدير والاحترام وتكافؤ الفرص والعدالة والإنصاف والاعتراف إذ أن أكبر المصائب التي يمكنها تصيب الافراد في المجتمعات هو شعورهم بان حياتهم ووجودهم زائد على اللزوم وليس لهم مكانة مقدرة تقديرا اجتماعيا ايجابيا في مجتمعهم. إذ يمكن للمرء أن يتحمل كل مصائب الدنيا الخارجية مقارنة بالظلم والإهمال والاحتقار. فكيف هو الحال في مجتمعاتنا العربية الإسلامية؟
ولهذا فإن البحث عن وطن بديل لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه خيانة للوطن الأول، بل بوصفه شهادة قاسية على فشل الشروط التي تجعل الوطن وطنًا.
فلا أحد يتمنى أن يترك بيته، ولا أحد يغامر بحياة أطفاله في البحر إذا وجد وطنًا يوفر له الحد الأدنى من العدالة والأمان والكرامة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه مشهد سبتة ليس: لماذا يهاجر الناس؟
بل سؤال أكثر عمقًا وإيلامًا:
كيف يفقد الوطن قدرته على إقناع أبنائه بأن مستقبلهم ما يزال ممكنًا داخله؟
هناك يبدأ كل شيء…
وهناك أيضًا تبدأ مسؤولية الدولة، قبل مسؤولية البحر.




