- لافتة احتجاجية (بيس هورايزونس)
مع تصاعد التوترات العسكرية بالتزامن في مضيقي هرمز وباب المندب تتعرض حركة الملاحة الدولية لشلل يعيد رسم خريطة تدفقات الطاقة العالمية،
لا تقتصر تداعياته على قطاع الطاقة فحسب، وإنما تطال استقرار أسواق السلع الأساسية وقطاعات النقل والإنتاج وشبكات الطاقة.. لتضع العالم أمام اختبارات غير مسبوقة وأعباء مالية جسيمة.
في محاولة لتجاوز الأزمة سعت دول الخليج إلى تفعيل مسارات بديلة لتصدير الطاقة. فقد اعتمدت السعودية على خط أنابيب “بترولاين” الممتد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، كما استفادت جزئيًا من خط “سوميد” المصري، في حين اتجهت الإمارات إلى تعزيز الاعتماد على خط “حبشان/ الفجيرة” المطل على المحيط الهندي. غير أن محدودية القدرات الاستيعابية لبعض هذه المسارات إلى جانب تعرض مسارات أخرى للتهديد حالت دون تعويض الفاقد النفطي بالكامل.
وأمام هذا العجز اضطرت كبرى شركات النقل البحري إلى تحويل مساراتها عبر طريق رأس الرجاء الصالح، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع زمن الرحلات من نحو 19 يومًا إلى قرابة 48 يومًا..
كما ترتبت على ذلك أعباء مالية إضافية تجاوزت 2.5 مليون دولار للشحنة الواحدة نتيجة زيادة استهلاك الوقود وارتفاع تكاليف التأمين والتشغيل، بحسب آخر التقارير الإعلامية، وهي أعباء تنعكس في نهاية المطاف على المستهلكين والأسواق العالمية.
على الجانب الآخر أدت هذه الاختناقات الملاحية والسياسات المأزومة إلى قفزات جنونية في كلف الشحن والتأمين الموجهة نحو الموانئ اليمنية. وقد أظهرت المؤشرات ارتداد هذه الزيادات على أسعار السلع الغذائية الأساسية والوقود، داخل أسواق محلية تعاني أصلًا من العزلة وتداعيات سنوات الحرب والحصار.
الحاصل أنه تتضاعف حجم المأساة هنا في ظل الانقسام السياسي الحاد وغياب أي رؤية جادة أو اكتراث رسمي بمعاناة المواطن المطحون بين سلطتين تتقاسمان وزر هذا الخراب، حيث يؤدي شح إمدادات الوقود إلى خروج محطات الكهرباء وتوقف القطاعات الخدمية والإنتاجية عن العمل، وهو ما يضاعف معدلات الفقر والبطالة ويدفع بالمجتمع نحو حافة المجاعة. بينما يظل مستقبل اليمن واستقرار باب المندب رهينة لصراع بلا أفق!
الحقيقة.. يقف هذا البلد المنكوب بسلطتي الهشاشة والتهور اللتين يتشابك طيش أحدهما مع عجز وترهل الأخرى، كمدفع عتيق على ضفاف البحر الأحمر ترتد قذائفه للأسف نحو صدورنا العارية في الداخل. مدفوعًا بأوهام من وجدوا أنفسهم يتحكمون بواحد من أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يمر عبره نحو 12 % من التجارة العالمية وما يقرب من ربع حركة حاويات الشحن، وهي المفارقة المأساوية التي بدلًا من أن تخلق وطنًا ودولة حقيقية تشكل شريان حياة استحالت بها الجغرافيا إلى جرح نازف تتحمل الفاتورة الأثقل، وسط غياب تام للشعور بالمسؤولية الوطنية تجاه الإنسان المنهك والأرض المتشظية التي أُقحمت قسرًا في قطيعة مزدوجة تجسد الفاعل والمفعول به في آن واحد..!
وهكذا…
بينما يكتفي العالم بإحصاء خسائره التجارية وتأمين سلاسل إمداداته، يواصل وجها الانقسام اليمني إحكام الحصار على المواطن، ليقايضاه أمنه وقوت يومه بمشاريع ضيقة ومصالح عابثة..
فاستمرار ارتهان الجغرافيا اليمنية لصراعات المحاور لا يعطل فقط شرايين الاقتصاد وإنما يغتال ما تبقى من مقومات الحياة الأساسية على هذه الرقعة!
يبقى التساؤل المرير فعلًا .. متى يدرك العالم خطورة مآلات ما يحدث عمومًا ويتدارك ما تبقى من إنسانيته..؟
ومتى يدرك الأشقاء شقواتهم بأن الأمن القومي بات آخر ما تبقى ليجمعنا على كلمة سواء..؟
وإلى متى يظل الواقع اليمني محكومًا بثنائية تتكامل لتواصل الدوران في حلقة مفرغة بعيدًا عن المصلحة الوطنية، ودون أدنى شعور بالمسؤولية تجاه أرض تتشظى وإنسان يذبح كل يوم بسيف العجز والقهر وطول الانتظار..؟
أليس قليل من العقل تكفي أحيانًا..؟
سلامتكم.




