تشهد مدينة سبتة الإسبانية شمالي أفريقيا أزمة إنسانية وسياسية غير مسبوقة إثر توغل نحو 50 ألف مهاجر غير نظامي برًا وبحرًا خلال 24 ساعة معظمهم من الشباب والقاصرين المغاربة. وهو ما دفع السلطات الإسبانية لإعلان حالة الطوارئ القصوى بعد اكتظاظ مراكز الاستقبال والعجز عن احتواء الأزمة.
وفي رد فعل سريع توجه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى مدينة سبتة برفقة وزير الداخلية فرناندو غراندي-مارلاسكا لتفقد معبر “تاراخال” الحدودي ومتابعة الإجراءات الأمنية والإنسانية عن كثب، في تحرك ميداني تزامن مع ارتدادات سياسية عنيفة داخل الاتحاد الأوروبي، إذ استغلت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني هذه الأزمة للمطالبة بتعليق عضوية إسبانيا في “شنغن” داعية إلى اتخاذ تدابير استثنائية لحماية الحدود الخارجية للقارة العجوز ومنع تداعي المنظومة الأمنية الأوروبية.
تُبرز هذه التطورات الموقع الاستثنائي لسبتة ومليلية كامتداد حدودي مباشر للاتحاد الأوروبي؛ حيث تختزل هذه الحدود التماسية تعقيدات العلاقة بين الرباط ومدريد، لتتداخل دواعي التنسيق الأمني بضغوط ملف الهجرة السرية، متسببة في إجهاد متواصل للبنية الاجتماعية والديموغرافية للمدينتين.
يذكر أن الجغرافيا المغربية تحولت على مدى العقود الماضية من مجرد نقطة انطلاق للمهاجرين الباحثين عن آفاق أفضل في أوروبا إلى محطة عبور رئيسية لمئات الآلاف القادمين من دول جنوب الصحراء والمنطقة العربية. وبحكم موقع المغرب الاستراتيجي المطل على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي والقريب من الشواطئ الإسبانية أضحى تحت ضغط أمني ومالي متواصل لمواجهة شبكات تهريب البشر وعصابات الهجرة السرية.
والحاصل أن هذا التوغل الجماعي نحو سبتة لا يمكن فصله عن الواقع العربي الراهن الذي تحول إلى بيئة طاردة لشبابه بفعل تفاقم البطالة وتدهور الأوضاع المعيشية والانسداد السياسي، وهو ما يدفع الآلاف للمخاطرة بأرواحهم عبر مسارات الموت بحثًا عن الكرامة والنجاة، وتثبت هذه الموجة عجز المقاربات الأمنية وحدها عن احتواء الهجرة دون معالجة أسبابها التنموية، لتضع العلاقات المغربية الإسبانية اليوم أمام اختبار حرج يوازن بين صون السيادة والوفاء بالالتزامات الإنسانية.




