- يقول المؤرخ والباحث التونسي (هشام جعيط،): “إن الدولة العربية الحديثة مازالت لا عقلانية واهنة.. وبالتالي فهي عنيفة ومرتكزة على العصبيات والعلاقات العشائرية”.
ونشير هنا إلى :
أولاً- ولدت هذه الدولة العربية لا عقلانية.. واللاعقلانية: ترتبط بالمشاعر والرغبات.. بينما العقلانية: هي المنهج الذي يتخذ من العقل والاستنباط معياراً للحقيقة بدلاً من المعايير الحسية.. وفي هذا الصدد اعتقد (سقراط) بأن على البشر أن يفهموا أنفسهم أولاً قبل أن يفهموا العالم.. وأن التفكير العقلاني هو الطريق الوحيد لتحقيق ذلك.
ثانياً- ولدت الدولة العربية مترافقة مع الوهن التاريخي المزمن الذي لازمها منذ صيرورة التكوين والميلاد.. فكانت ومازالت تشكو خللاً مزمناً في علاقتها بالقوى الوطنية المحلية، ثم بالجوار العربي الأوسع.. وكثيراً ما تختار المخاتلة والمخادعة واستبدال جلود غير جلودها بحسب مصالحها ولعبة العرض والطلب.
إن الدولة العربية لا ترى نفسها مجرد وكيل معنوي لإدارة الشأن العام بقدر ما ترى نفسها وصية على مجتمع قاصر وعاق..
فهو في نظرها: مجتمع قاصر لا يقدر على إدارة شؤونه وبلوغ مرحلة الرشد السياسي التي تؤهله لامتلاك ناصيته أمره والتحكم في مصائره.
ومجتمع عاق لا يمكن ائتمان جانبه أو الاطمئنان إلى ما يبديه من طاعة وسكون ظاهرين، الأمر الذي يتطلب فرض الرقابة الأمنية والاستخبارية عليه لائتمان غضبته وقومته المحتملة.
وهي إلى جانب ذلك تعتبر نفسها صانعة ومجسدة للإرادة العامة، وكثيراً ما تتماهى الدولة العربية في شخص الحاكم – الزعيم- فينتهي الأمر إلى اختزال الدولة والإرادة العامة والمجتمع السياسي في شخص الحاكم وليس أكثر.
وفي محاولة للتغلب على أزمة الشرعية هذه تلجأ الدولة العربية إلى الإسراف في استخدام العنف والمبالغة في استعراض القوة إلى الحد الذي يتماهى فيه إدارة السياسي في إدارة العنف، ولذلك كثيرا ما يستغرب المرء من حالة الهوس الأمني والشراسة البوليسية التي تبديها الدولة العربية سواء في التعاطي مع مطالب المجتمع، فبمجرد رفع بعض المطالب السياسية الإصلاحية، أو بمجرد كشف اللثام عن تجاوزات وخروقات الحاكم العربي في هذا الملف أو ذاك، حتى يتحول الأمر إلى ضرب من الاتهام “بتهديد نظام الحكم”، هذا إذا لم تدمغ هذه القوى بمحاولة الانقلاب والانقضاض على الحكم.
ثالثاً- ولدت هذه الدولة العربية مأزومة منذ تكوينها، واستمرت تحمل في ذاتها عوامل الإعاقة والخلل سواء من جهة علاقتها بالجسم المحلي الأهلي، إذ ما تتسم الحياة السياسية أن كل ما فيها مزيف ومضلل من أحزاب وجمعيات ومنظمات مدنية ومن شعارات وعناوين.. أو من جهة علاقتها بالجوار العربي، فهي دائمة التوتر والاشتباك مع مواطنيها في الداخل، ودائمة المناكفة في علاقتها بجوارها العربي، ما أن تخمد نار من نيرانها المستعرة حتى تلتهب في مواقع أخرى أو في أوقات لاحقة، من معارك الحدود، إلى معارك المحاور العربية، إلى معارك مشاريع الإصلاح، إلى منازعات الأقطار “الصغرى” و”الكبرى” والحبل على الجرار، بما جعل النظام السياسي العربي تركة ثقيلة من الأعطاب وسلسلة متناسلة من التوترات والأزمات.
لذلك:
ستظل كياناً هشاً تذروه الرياح في ظل عالم يتجه نحو مزيد التكتل والتوحد بل الانتقال من دائرة الانتماء القومي الضيق إلى الانتماء القاري الأوسع.
كما أنها ستظل عاجزة عن تحقيق الحد الأدنى من وعودها في التنمية والنهوض وتحقيق تطلعات مواطنيها في الرقي الاقتصادي والرشد السياسي.
من هنا فإن الواجب يقتضي إجلاء الرؤية وتوضيح الأهداف والمرامي القريبة والبعيدة المتوخاة من عملية الإصلاح المطلوب، باتجاه بناء أوسع قاعدة ممكنة من الإجماع العام الذي يسمح بتحريك المياه العربية الراكدة في الاتجاه الصحيح لا الخاطئ.. أي باتجاه إصلاحات ديمقراطية تتكامل وتتساوق مع مطالب التكامل السياسي والاقتصادي العربي.. وحماية الأرض العربية من الهيمنة والاحتلال الأجنبيين الآخذين في التسلل مجدداً، بدل أن تكون مطالب الإصلاح واجهة لتغليف الهيمنة والاحتلال الأجنبي والمزيد من إنهاك العرب وشرذمتهم، على نحو ما تراهن على ذلك قوى كثيرة في الداخل والخارج.
- في كتابه مفهوم الدولة، يقول المفكر المغربي عبد الله العروي: “إن أسوأ ما في العالم العربي أنه أقام في مرحلة ما بعد الاستقلال الدولة السلطانية وليس الدولة الديمقراطية.. واجتمعت في الدولة الجديدة صفات التسلط والقهر والسطو والاستغلال.. كما أن التركيز على تقوية الدولة باستمرار دليل على أنها ضعيفة باستمرار.. إن المحك الحقيقي لصلابة أي دولة يكمن في علاقتها بالخارج”.
ونقول في مرحلة ما بعد الاستعمار أقام العالم العربي أنظمة بوليسية.. وليس دولاً.. ذلك أن الدولة في المفهوم القانوني هي ظاهرة اجتماعية نشأت بمقتضاها كيانات ذات سيادة تعيش في ظلها مجموعات من الناس، يخضعون لنظام سياسي يدير شأنها العام.. وهو ما يعنى أن النظام السياسي هو أحد عناصر الدولة وليس كلها، وهو ليس الحكومة وحدها.. ولكن إدارة الدولة تتم من خلال المؤسسات الموازية المستقلة ومنظمات المجتمع المدني.. فاختزلت الدولة في النظام الذى همش المجتمع وفصل القانون على النحو الذى يناسبه.. واعتمد في إدارته للشأن العام على أجهزة الشرطة والجيش والمحاكم والجباية.. بما يعنى أننا أقمنا شكل الدولة دون وظيفتها في خدمة المجتمع وإقامة العدل، وعندما صارت كذلك فإنها أصبحت أقرب إلى الدولة الفاسدة.
والأغرب والأعجب حقاً هو أن الدول العربية الموصوفة بالحداثية تبدو الأكثر عنفاً وفتكاً بمواطنيها.. في حين أن الأنظمة العربية الملكية المنعوتة بالتقليدية وحتى الرجعية تبدو أقدر على الانفتاح والتطور.
وليس من قبيل المصادفة أن تتمكن الملكيات العربية – على الرغم من سوءاتها ومجافاتها لقيم العصر في كثير من الوجوه- من اجتراح بعض التسويات وإقامة برلمانات وانتخابات تتمتع بقدر من النزاهة والمصداقية.. في حين أن أخواتها الجمهوريات تظل عاجزة عن اجتراح الحد الأدنى من التسويات السياسية والاجتماعية أو انتهاج خيار الموادعة مع رعاياها.
ومن المفارقات الغريبة والعجيبة أيضاً، أن هذه الدولة بقدر ما تبدي من حزم وشراسة بالغين في التعاطي مع مواطنيها في الداخل بقدر ما تبدو خامدة وطيعة في التعامل مع الخارج، وربما يعود ذلك إلى كون مصدر إسنادها واستمرار وجودها يتموضع في الخارج لا في الداخل، وبقدر ما تبدي من حرص على انتهاج الترضيات والتسويات مع القوى الدولية بقدر ما تبدي من صرامة وانغلاق في التعامل مع المطالب الداخلية ومع القوى المحلية، حتى لكأن نخب الحكم عندنا تبدو مجرد وكيل على تدبير المصالح الأجنبية، ليس أكثر!.
- يقول الكاتب السوري موريس عايق: “إنه بفضل الطغيان الذى استثمر اسوأ ما فينا.. فإننا لم نعد قادرين على الحوار والاتفاق فيما بيننا.. وعاجزين عن حل خلافاتنا.. فصار من الضروري انتزاع القرار من أيدينا.. ووضعه في يد خارجية تملك قوة الإلزام والمعاقبة.. ما يعنى التخلي عن الكثير من حقوقنا وما نعتبره جزءا من سيادتنا.. من ثم فإن إرث الطغيان لم يجعلنا فقط قابلين للاستعمار.. ولكن في حاجة إليه لوقف المذبحة”.
ونضيف .. لقد أفضى بنا ذلك إلى هذا الوضع المختل الذي صرنا إليه.. فغاية الإمبريالية كما تقول المفكرة الألمانية (حنة أرندت): “الاستيعاب لا الإدماج.. وفرض الخضوع لا تحقيق العدل”.. وتنهي إلى القول: إن من كوارث المشروع الإمبريالي تفكيك المؤسسات والروابط الأهلية التي كانت تنظم الحياة السياسية والاجتماعية للشعوب.. وبالتالي تعتبر الدولة العربية في صورتها الراهنة منتوج الإرث الإمبريالي.. سواء كان ذلك في مجال جغرافيتها السياسية وخطوط حدودها، أو في مجال آلية إدارتها للحكم ونمط علاقتها بمواطنيها.. فدولة “الاستقلال” العربية لم ترث عن إدارات الحماية الأجنبية الهياكل والمؤسسات فحسب.. بل ورثت عنها أكثر أسلوب إدارة الحكم ونمط العلاقة بالمحكومين.. فقد حافظت الدولة العربية على نفس القوالب والأجهزة التي ورثتها من الحقبة الاستعمارية.. كما حافظت على ذات العلاقة بالمجتمع.. وهي في مجملها علاقة انفصالية وعمودية تهدف إلى احتواء المجتمع وضبط حركته بصورة فوقية.
- المفكرة الألمانية حنة أرندت تقول : “إن غاية الإمبريالية الاستيعاب لا الإدماج.. وفرض الخضوع لا تحقيق العدل.. إن من كوارث المشروع الإمبريالي تفكيك المؤسسات والروابط الأهلية التي كانت تنظم الحياة السياسية والاجتماعية للشعوب.. وبالتالي تعتبر الدولة العربية في صورتها الراهنة منتوج الإرث الإمبريالي.. سواء كان ذلك في مجال جغرافيتها السياسية وخطوط حدودها، أو في مجال آلية إدارتها للحكم ونمط علاقتها بمواطنيها.. فدولة “الاستقلال” العربية لم ترث عن إدارات الحماية الأجنبية الهياكل والمؤسسات فحسب.. بل ورثت عنها أكثر أسلوب إدارة الحكم ونمط العلاقة بالمحكومين.. فقد حافظت الدولة العربية على نفس القوالب والأجهزة التي ورثتها من الحقبة الاستعمارية.. كما حافظت على ذات العلاقة بالمجتمع.. وهي في مجملها علاقة انفصالية وعمودية تهدف إلى احتواء المجتمع وضبط حركته بصورة فوقية”.
الحاصل أن هذا هو ما يجعل من الدولة العربية ظاهرة استبدادية وتعسفية بامتياز.. وبشيء من التحديد المنهجي يمكن القول إن أهم ملامح المشروع الإمبريالي من وجهة نظر (أرندت)، يتمثل في بعدين رئيسين، هما:
البعد الأول- يتمثل في تصدير أدوات السلطة السياسية.. أي مؤسسات الإكراه والإخضاع دون المؤسسات السياسية المدنية، وهذا يعني إعطاء الأولوية القصوى لتصدير أدوات العنف المؤسسي وعلى رأسها الجيش والأمن على حساب المؤسسات المدنية والقوانين المنظمة والضابطة للاجتماع السياسي.. وبذلك أضحى العنف المنظم في أجواء التوسع الامبريالي حالة راسخة في إدارة الشأن السياسي.
ويتأسس على ما سبق بيانه انفصال وتباعد متزايد بين ما أسمته (أرندت) بـ”الأدوات السياسية” و “المؤسسات السياسية”.. فالأدوات السياسية التي كانت مترابطة مع المؤسسات السياسية (مثل البرلمان ومؤسسات الرقابة الدستورية القضائية المستقلة) في المراكز الإمبريالية انقطعت عنها لاحقا في مواطن التمدد الإمبريالي، ومن ثم أصبحت أدوات العنف طليقة اليد في إدارة شؤون المستعمرات دون أي وجه من وجوه الرقابة والضبط.
البعد الثاني- يتمثل في أن الإمبريالية تتأسس على دعامتين أساسيتين، أولهما: تنبعث من طبيعة نظرية تمثلها الأيديولوجيا العنصرية التي أضفت المشروعية على سيطرة القلة الإمبريالية على الكثرة من شعوب المستعمرات.. وثانيهما: تستند على طبيعة سلطوية إكراهية قوامها مثلث الجيش والشرطة ثم الجهاز البيروقراطي.
وهنا لابد من لفت الانتباه إلى كون البيروقراطية عند (أرندت) تعد واحدة من أهم أدوات إدارة لعبة التوسع الإمبريالي، فهي سلطة تعسفية خاضعة لرهانات وتوجيه ممن يديرون العنف وهم متوارون خلف الجهاز البيروقراطي، ويصدرون المراسيم والأوامر السرية بهدف السيطرة على الأهالي وإخضاعهم.. لا لتنظيم شؤونهم ومعاشهم.
أي أن البيروقراطية كما تفهمها (أرندت) هي سلطة تعسفية.. وليست مجالاً تجسد العقلانية، مثلما ذهب إلى ذلك (ماكس فيبر(.. والمتأمل اليوم في مجريات الأحداث في العراق وكيف تدار شؤون الحكم في هذا البلد عن طريق لعبة المراسيم والقرارات الفوقية سواء في حقبة الحاكم المدني (بريمر) أو خلفائه الجدد المنتدبون أميركيا يدرك مدى صحة وانسجام التحليل الذي كشفت هذه المفكرة الألمانية عن بعض معالمه. (الوعي الإجتماعي)




