- لطف الصراري
تنويه للقارئ الكريم: 1- هذه القصة طويلة جداً. 2- جميع أحداث وشخوص القصة متخيلة، وأي تشابه بينها وبين الواقع هو من قبيل الصدفة، أو بسبب تفوق الواقع على الخيال.

شعر باهتزاز هاتفه المحمول بعد زخة
الرصاص الثالثة التي أطلقها من طرف نافذة الطابق الثالث. كان جسمه كله
يرتعش مع كل زخة رصاص يطلقها لدرجة لا يمكن عندها الإحساس باهتزاز الهاتف،
لكنه شعر به يدغدغ جانب ركبته اليمنى. وفي لحظة سكون خاطفة لا تكفي حتى
لتنفس عميق، سمع احتكاك الهاتف بحلقة المفاتيح في جيبه كنفير سفينة. تكرر
اهتزاز الهاتف إلى درجة سببت له انزعاجاً أثر على تركيزه. وبحماس مقاتل
منزعج من فقدان تركيزه، أخرج بوق السفينة من بنطاله العسكري المموه بلون
التراب والحصى الداكن. تهيأ للشتم، لكن الصوت الذي انبعث من سماعة الهاتف
كان أكثر مهابة من أن يُشتم صاحبه، كما أن صاحب الصوت المهاب باشر الحديث
بالاعتذار عن الإزعاج. انفجرت قذيفة آر بي جي في الطابق الأعلى منه مباشرة
فقطع الاتصال، مشتبهاً أن سقوط القذيفة له علاقة بالمكالمة. “شكلهم يتصلوا
عشان يحددوا مواقعنا. الكلاب.” قال لاثنين من مرافقيه في المتراس. أغلق
الهاتف. “قد قلت لك لا ترجّع هذا الرقم يا فندم. خليك على الرقم الجديد
وبس.” قال المقاتل الثاني وهو يغادر النافذة الغربية ليصعد إلى الطابق
الأعلى.
لحسن الحظ، لم يصب أحد من مقاتليه في الطابق الرابع بحروح
تستدعي الذهاب إلى المستشفى. كل ما هنالك أن شظايا الجدار الذي اخترقته
القذيفة تطايرت فوقهم مسببة جروحاً أبلغها شجاً في الرأس. استمرت
الاشتباكات إلى ما بعد الظهر، وتمكن قائد المجموعة من الانسحاب مع بعض
مسلحيه، فيما بقي الآخرون مرابطون في المكان ليجبروا طرف القتال الآخر على
الانسحاب.
في المساء عاد إلى منزله الجديد مع عشرة من المرافقين. في
الحقيقة، لم يكن مجرد منزل بل فيللا من طابقين يحيطها سور مرتفع سيج أعلاه
بأسلاك شائكة. لقد استولى على هذه الفيللا قبل شهر فقط، إثر مغادرة قائد
عسكري من قوات الشمال كان قد استولى بدوره على الأرضية وبنى عليها الفيللا.
وصل الهاتف بالشاحن الكهربائي، وتردد في فتحه. وبعد أن وزع المرافقين وفق
خطة انتشار أساسية واحتياطية، اتكأ في غرفة الجلوس مبقياً على واحد فقط إلى
جانبه. فتح الهاتف، وانهالت عشرات الرسائل التي تفيد بأن هناك من اتصل به.
كانت معظم الرسائل من الرقم نفسه الذي اتصل قبل سقوط قذيفة الآر بي جي،
وبعد أقل من عشر دقائق اهتز الهاتف بمكالمة واردة. الرقم نفسه يتصل. سحب
الإيقونة الخضراء على شاشة الهاتف بسبابته وتهيأ هذه المرة لاستقبال قذيفة
أخرى. بالنسبة له، كان يريد أن يعرف من وراء استهدافه.
– من معي؟ سأل بما تبقى من استياء النهار، كاتماً رغبته بالشتم.
– أنا سند سالم اللواز. أبي اتصل بنا قبل حوالي خمسة أشهر من هذا الرقم، وإلى الآن مش عارفين فينه.
تنفس الصعداء، وتذكر ذلك اليوم كما لو أنه مضى على مروره أكثر من عشرين سنة.
– أها أها. حياك يا سند. والله أنا كمان مش عارف مكانه. افترقنا بعد ما اتصل بكم مباشرة.
– طيب ما تكلمش فين با يروح؟ لأنه من بعد ذاك الاتصال ما شفناه ولا سمعنا عنه خبر.
– لا والله، ليش انتم ما دوّرتوا عليه من ذاك اليوم!
– إلا دوّرنا ما خلينا مكان. ومن ثالث يوم وانا اتصل على هذا الرقم ويرد لي مغلق، وبعدين مفصول.
– أيوه هو كان مفصول، عادنا رجّعته هذا الأسبوع.
– طيب ممكن ولو سوء أدب، اسمك الكريم؟
– فريد.. فريد عبدالنبي. أنا والوالد معرفة قديمة من أيام البحرية.
– حياك الله يا عم فريد وعفوا مرة ثانية على إزعاجك. بس ممكن لو لقيت عنه خبر تبلغنا؟ هذا رقمي. سند سالم.
– طبعاً أكيد. شوف يا حبيبي: ذاك اليوم أنا شفته صدفة وهو خارج من البحر،
وبعد ما اتصل رجع فوق الهوري حقه وقال انا راجع البحر. ولا زاد كلمة.
– تسلم يا عم فريد. خلاص ما اشغلكش أكثر من كذا. تأمرني بشي؟
– تسلم حبيبي شكرا. الله معك.
كان فريد عبدالنبي قد أصبح أحد أهم القادة الميدانيين في المدينة، ورغم أن
من يسميهم “الحوافيش” قد تم إخراجهم من المدينة إلا أنه مازال يخوض حرب
الأثر الرجعي مع فصائل أخرى كانت صديقة منذ بداية الحرب، وتحاول الآن
السيطرة على الأحياء الواقعة تحت نفوذه. فكر بالعقيد سالم. تذكر ما قاله له
بشأن الفرصة التي يعود بها الزمن تلقائياً. شعر بأن صمت العقيد يغزوه،
فقام إلى حيث الثلاجة وجلب قنينتي مياه معدنية باردتين، رغم أن أمامه
واحدة. “ليش تقوم بنفسك يا فندم، كنت تقول لي أنا باقوم أجيب لك الماء.”
قال مرافقه الأقرب إليه، ابن حارته مازن الخردة. “عادي يا راجل نحنا اخوة.”
رد فريد ومدّ لمرافقه بإحدى القنينتين.
– تذكر يا مازن الشيبة اللي شفناه في ساحل صيرة لمّا كنا نتجمّع هناك؟ قال القائد بعد أن جلس.
– أيوه كيف ما اذكروش. صاحب الهوري اللي اسمه ملك الزينوب، صح؟
– ايوه بالضبط. وابتسم الاثنان.
استعاد فريد ضحكته فقهقه وأضاف: “على فكرة هو اللي لقّبنا أبو هوري زمان
لأني كنت اموت بسواقة الزوارق”. ضحك الاثنان بقهقهة عالية حتى سمعهم
المرافقون عند باب الفيللا. قال مازن وعيناه تتنقلان بين شاشة الهاتف ووجه
فريد: “تصدق يا فندم من ذيك اليوم وانا نفسي أعرف ليش سموك أبو هوري”!
“خزّن يا مازن. انبسط حبيبي. شوف لنا إيش يقولوا الليلة على الواتس”. رد
فريد بعد أن رمى بأربعة أغصان من القات وقعت على صدر مازن. التقط الخردة
الأغصان الطرية شاكراً وأبدى استعداده لمتابعة التسريبات والشائعات في
مجموعات الواتس أب والفيسبوك.
كان مازن واحداً من خمسين مسلحاً
استقطبهم فريد عبدالنبي للقتال تحت شعار الدفاع عن المدينة، لكنه كان
أقربهم إليه، أولاً لقدم معرفته به، وثانياً بسبب ذكائه وهدوئه وقدرته على
استخراج أهم المعلومات من محادثة عادية. كان لمازن تلك المهارة في الحديث
المتمهل، التي تجعل من أمامه يبحث عن أي شيء يقوله لملء فراغ الصمت. لذلك
ربما هو يتذكر ملك الزينوب الذي كانت له تلك المهارة مع فارق الشيخوخة
والتجهم. مع ذلك، لم يستخدمه فريد كمخبر بل عيّنه مسؤول الاستخبارات في
جماعة الخمسين مقاتلاً، حتى أن جميع من تم استقطابهم أخضعوا لاختبارات
الموثوقية على يد هذا الشاب الهادئ، ابن أقدم جامع خردوات في كريتر.
استمر فريد في متابعة الأخبار من التلفزيون، وبشكل غير متوقع، سمع المذيعة
الجميلة تنطق اسمه في الخبر الثالث؛ “دارت اشتباكات عنيفة في عدن بين
مسلحين من تنظيم القاعدة وإحدى فصائل المقاومة الشعبية. وأفادت المصادر بأن
فصيل المقاومة الذي يقوده العقيد فريد عبدالنبي، أحد ضباط الجيش الموالي
للشرعية هاجم…”. كانت المرة الأولى التي يسمع فيها اسمه يذاع في نشرة
أخبار تلفزيونية. تبادل النظرات بانشداه مع مسؤول استخبارات جماعته، وقال
هازّاً رأسه: “الوضع ما يطمنش يا رفيق. والا كيف تشوف؟”.
– والله ما نا داري إيش اقول لك يا فندم! رد مازن الخردة.
– طالما يقولوا إن احنا اللي بدينا الهجوم، فالموضوع فيه “إنّة”. قدنا عقيد الليلة!
– بيني وبينك يا فندم، الموضوع وما فيه ان اسمك الليلة بكل المجموعات بالفيسبوك والواتس أب. شكله الوضع مش طبيعي خالص.
– كيف مش طبيعي؟ إيش يقولوا؟
– يعني شكلهم مضخمين موضوع الاشتباكات حق اليوم ويحملونا المسؤولية. وكمان يقولوا ان ثلاثة مواطنين قتلوا برصاص من جانبنا.
– هذي مرفالة. قال فريد ووقف في مكانه بدون أن يبدو عليه أنه يعرف إلى أين سيتجه.
مشى حتى باب المجلس وكلف الشاب المستلم نوبة الحراسة في الصالة بإبلاغ
بقية زملائه بتشديد الحراسة أكثر من أي وقت مضى، ثم دخل الحمام وألقى ما في
وجنته من القات، وتمضمض كيفما اتفق. عندما خرج كان مازن الخردة في انتظاره
بالمقترح الذي سيثير حفيظته ويودي بحياته في نفس الوقت.
كان المقترح
يقضي ببساطة أن تخفف جماعة الخمسين مقاتلاً نشاطها قليلاً، ويا حبذا لو
يختفي قائدها لبعض الوقت. غضب فريد الذي لا يغضب بسهولة، واعتبر الأمر
انتقاصاً من شجاعته. “تشتينا أتخبّي يا مازن! أنا مش نعامة. الموت أهون.”
قال وهو يتحسس لثته التي جرحها بمخلال حاد، ثم غيّر من وضعية سلاحه
الكلاشينكوف المسنود إلى الجدار، وأخذ هاتفه ذي الرقم الجديد وفتحه.
العشرات من رسائل الاتصالات الفائتة تصل تباعاً وهو يتفحص كم سيصل عددها
ومن هم مرسلوها؛ 45 رسالة بين رسائل اتصال وسؤال عن الحال وبلاغات ودية
بعدم رضى الحكومة وقياة التحالف عن تحركاته. كانت هناك رسالة من زوجته
أيضاً. بعد أن وصلت آخر رسالة، أجرى عدة مكالمات مع قادة فصائل أخرى ما
زالت صديقة، وبدا أن جميعهم قد اتفقوا على رأي واحد؛ أن يتوارى عن الأنظار
ريثما يهدأ الوضع وتتمكن قوات الدولة من حفظ الأمن. التفت إلى مسؤول
استخباراته مستفسراً بتوبيخ ثم بعتاب المغدور: “يعني انت كنت عارف انهم
عاملين الهيصة ذي كلها وساكت من أول الليل”؟ “كنت عارف ان الموضوع بيزعلك
كثير يا فندم ومش عارف منين أبدأ لك. من أول الليلة وانا أدافع عن موقفنا،
لكن يبدو ان الموضوع أخذ أكبر من حجمه كثير. لو أصرّينا على موقفنا انت
عارف ايش بايقولوا…”. “يقولوا اللي يقولوه، هذولا شوية فتّالين لا يهمّهم
دولة ولا قانون، الفلوس ضيعت عقولهم ومسخت رجولتهم”.
ألقى بهاتفه على
المتكأ وجلس متربعاً على السجاد فارداً ظهره على مرتبة المجلس. طلب سيجارة
رغم أنه لا يدخن عندما لا يمضغ القات. أعطاه مازن السيجارة وتأهب لحبك
صياغة ملحق عملي لمقترح التواري عن الأنظار، لكنه تردد كثيراً في قوله بسبب
مزاج القائد الغاضب والمغدور، واستهلك قرابة الساعة وهو يدور حول
“الموضوع”. كان فريد يكمل سيجارته الخامسة حين التفت إلى مازن مرة أخرى
بوجه متخفف من الغضب، وسأله مازحاً ولكن بمرارة: “هيا إيش “الموضوع” يا
مازن”؟ ابتسم مازن واستقبل محاولة القائد في تلطيف الجو باهتمام بالغ. وضع
الهاتف من يده وعدّل جلسته محاولاً هو الآخر مجاراة تحول مزاج القائد:
“الموضوع يا فندم بسيط. لا يزايدوا علينا ولا شي. نخفّ شوية وبانشوف من
اللي يعرقل رجعة الدولة”. عبارته الأخيرة كادت أن تنبش القائد مرة أخرى،
لكنه أضاف الملحق العملي للمقترح بسرعة: “باختصار يافندم، الموضوع: أينو
ملك الزينوب؟ لازم نروح ندور عليه. البلد بحاجة للكوادر الخبيرة، إيش
رايك؟”. هكذا رمى بالملحق العملي لمقترحه إلى حلبة الأمر الواقع وعاد
لهاتفه مرة أخرى. شرد القائد قليلاً والتفت إلى مسؤول استخبارات الجماعة،
لكنه لم يتكلم لدقائق. مدّ رجله ومازال متكئاً على ظهره.
“مافيش طريقة
أفضل”؟ سأل القائد وفي رأسه كانت ترتسم مقصورة القيادة في زورق الإنقاذ
الذي بدأ يفكر كيف يحصل عليه. أزاح مسؤول الاستخبارات يده الممسكة بالهاتف
من أمام وجهه، وقال بجدية نادراً ما تظهر عليه: “حالياً اعتقد هذي أفضل
طريقة، خاصة ان ابنه عاده اتصل بك اليوم. لو تفكر بالموضوع شوية أنا واثق
انك باتعرف تعمل منه مخرج مشرف، وبدون ما حد يشعر.” لم يفهم ما الذي عناه
الشاب بقوله “بدون ما حد يشعر”، لكنه تعامل معها كنوع من الضمانة المؤكدة
على نجاح الفكرة.
استمر النقاش عن وضع بقية الجماعة بعد مغادرة القائد
إلى البحر، وأبدى الخردة استعداده لتدبير مخارج آمنة لبقية المقاتلين، لكنه
نوه إلى أن بعضهم ربما سيختار الاستمرار في النشاط الميليشاوي وأنهم قد
يلتحقون بفصائل أخرى. انتبه فريد إلى أن الخردة لا يشمل نفسه في الحديث عن
المجموعة التي يجريان المفاضلة لاختيارهم كي يرافقوا القائد إلى البحر. كان
مصراً على أن يأتي مسؤول الاستخبارات معه، لكن هذا اعتذر بإصرار مرفق
بالكثير من المبررات. في الحقيقة، لم يكن حفيد جامع الخردوات يبدي عناداً
بقدر ما يتحدث عن المبررات، وهي مبررات تولت مهمة ترجيح موقفه بالبقاء في
المدينة. فأولاً وقبل كل شيء، من الضروري أن يبقى الوضع الاستخباراتي
للجماعة تحت السيطرة، وهناك الأعضاء الذين سيذهبون للالتحاق بفصائل أخرى أو
بالجيش الجديد الذي يجري استقطاب المقاتلين لتكوينه، وكيف أن هذا الالتحاق
ينبغي أن يتم بإشرافه لتسجيل موقف لصالح الجماعة. عملياً، كان الخردة
محقاً في ما قاله؛ فحتى من سيبقى بدون أن ينضم لأي فصيل آخر، سيحتاج لضمان
البقاء حياً، وهذا ما ستوفره أذرع الجماعة التي يمكنها أن تمتد إلى داخل كل
الفصائل بما فيها الجيش الجديد. كان فريد يحملق في وجه الشاب ذي الأنف
المرتفع المتصل بجبينه الأسمر عبر كتلة شعر كثيفة بين الحاجبين. لم يتوقع
أن قائمة مهاراته تشمل التفكير بالخطط الاستراتيجية وبعد النظر هذا.
“بصراحة بدأت تخوفنا يا مازن…” قال فريد بنبرة مزاح تتضمن الإشادة بقدرات
“العقل المدبّر”. “تلميذك يا فندم.” ردّ الخردة مع ابتسامة عريضة غطاها
بيده الأخرى غير الممسكة بالهاتف ليمنع نثار القات من السقوط. “وبعدين لا
تقل لي انك قد نسيت لما قلت لنا ان الوضع ممكن يطول سنين على ذا الحال!”
أضاف التلميذ النبيه.
بعد أن تقرر الاختيار على أربعة مقاتلين
لمرافقة القائد في رحلته البحرية، دخل إلى غرفة نومه. كان صوت الرصاص يأتي
بين فينة وأخرى من مسافات متفاوتة، وفكر بزوجته وأولاده الذين مازالوا
نازحين في البريقة. تذكر بيته الصغير في حي التلال الملتهبة، وجال بنظره
على الستائر الفخمة والسقف المزخرف لهذه الفيللا التي قرر الاستيلاء عليها
كنوع من استرداد حق مغتصب. بدا مكتئباً وهو ممتد على سرير ليس سريره وشعر
بشوق لسماع أصوات زوجته وأطفاله. رغم تأخر الوقت، إلاّ أنه راح ينقر برأس
إصبعه رقم زوجته على الشاشة العريضة لهاتفه الجديد. جاء صوتها من الطرف
الآخر مشبعاً بالنوم. “هلا، كيف لك تتصل ذي الساعة!” سألت باستغراب لا يخلو
من اللوم.
– آسف حبيبتي صحيتك؟ توقعت تكوني صاحية زيما هي عادتك.
– لا عادي بس أمس ما نمت كويس والليلة نمت بدري…
– المهم كيفك؟ وكيف الأولاد؟
– الحمدلله عايشين. كيفك أنت إيش عامل؟ قتلتنا بالقلق عليك. ليش ما رديت على رسالتي؟
– يمكن ما انتبهت للرسالة. قلت لك لا تقلقي خالص أنا بخير… في حد من العيال صاحي؟
– لميس صحيت قبل شوية. ليش مقفّل تلفوناتك؟
– قدك عارفة الوضع كيفه يا حبيبتي. هاتي لي لميس اكلمها.
– مش عارفة بتقدر تكلمك والا لا، من يومين زادت عليها الحمى وما عرفناش حتى نوديها المستشفى.
– ودّوها أقرب مستشفى أو عيادة أو حتى جيبوا لها مهدئات من الصيدلية. لا تهملي البنت يا رويدا…
– وعادني مهملة؟ أيوه صح أني مهملة بعيالي بأمارة اني من ستة شهور ما
شفتهمش حتى شوفة! بنتك يمكن تكون عندها حمى الضنك يا بطل. يعني لازم تتعالج
بمستشفى. يعني أي علاجات بدون فحص متخصص يمكن تقرب أجلها…
لم يكن
ينقص بطل الحرب في ذروة وقته العصيب، غضب زوجة نازحة عليها الاهتمام بثلاثة
أطفال، في حين يقتلها القلق من أن تتحول بين لحظة وأخرى إلى أرملة. إضافة
لذلك، فقلبها مازال مكلوما بمقتل شقيقها، وخائفة من أن تتلقى في أي لحظة
خبر مقتل ابنها الأكبر أو شقيقها الثاني اللذان اشتركا في دورية حراسة داخل
الحي الذي تسكنه عائلتها. حاول تهدئتها، لكن كل محاولاته فشلت. لم تقبل
اعتذاراته المتكررة وقاطعته في كل كلمة وهو يحاول أن يخبرها بما يواجهه من
ضغوط نفسية لم يختبرها من قبل. لقد أمطرته الزوجة التي كانت فخورة بزوجها
البطل في بداية الحرب، بوابل من السخط لم يتوقف، وصارت تطالبه بالعودة إلى
أطفاله كون الحرب انتهت ولم يعد لغيابه من سبب، وزادت على ذلك أن نبشت قلقه
على الابن الأكبر. المسكينة لم تكن تعرف إلى أين تأخذ هذه الحرب أبطالها
المنتصرين! “خلاص طيب خلاص… خلاص الله يحفظك ممكن تهدئي…؟” كان هذا آخر
ما قاله القائد لزوجته بما يشبه توسل المنهَك، ولأنها استمرت في الثرثرة
العصبية، أبعد الهاتف من أذنه تدريجياً، رويداً رويداً، حتى صار أمام
عينيه، وأقفل الخط. كان قد صار متربعاً على السرير. زفر زفرة طويلة وخرج
ليطلب سيجارة من مازن الذي كان لا يزال مستيقظاً في المجلس مع الأربعة
الذين سيرافقون القائد في رحلته. لم يأمرهم بأخذ قسط كاف من النوم
استعداداً للرحلة، فهو حتى ذلك الوقت لم يكن قد فكر بالأمر بالقدر الكافي
لتحديد برنامج اليوم التالي. تمنى لرجالة ليلة سعيدة وأخذ منفضة زجاجية من
على إحدى الطاولات الخشبية الصغيرة، وعاد إلى غرفته. لم يبد أنه لاحظ
انطفاء الكهرباء للمرة الخامسة منذ بداية المساء، وأن الضوء الذي ينير
طريقه بالكاد لم يكن مصدره مولد الكهرباء الخاص بالفيللا، بل المصابيح
المثبتة حول رؤوس شباب الحراسة الداخلية. في الحقيقة، لم يكن في حال مناسب
للتفكير بمثل هذه الأمور. كان مشتت الذهن بين طفلته المريضة وابنه الذي حمل
السلاح والوضع غير المستقر لعائلته عموماً، وبين الطريقة المناسبة للحصول
على زورق في أسرع وقت. لقد استعان بهوايته القديمة على إقناع نفسه
بالابتعاد عن التوتر، لكنه لوهلة، شعر بنفور من هوسه القديم بقيادة
الزوارق. مع ذلك فضّل الشعور بالذنب على التخلي عن حياة طالما استغرق في
رسم ملامحها منذ أن قرر انتهاز الفرصة التي جلبها الزمن إليه تلقائياً.
وفور دخوله الغرفة توجه نحو الهاتف ليبدأ بترتيب متطلبات رحلة البحث عن
“العقيد الصياد”، أو بالأحرى رحلته الضرورية لاستثمار تواريه عن الأنظار.
كانت زوجته مازالت تحاول الاتصال به، وصوت اهتزاز الهاتف على الخزانة
الخشبية بجانب السرير يتلف الأعصاب. رفض المكالمة بجرة إصبع على الشاشة،
وفتح تطبيق الرسائل. كتب رسالتين إحداهما لابن العقيد يطلب منه الاتصال به
في التاسعة صباحاً، والثانية لأحد الضباط القدامى الذين أشركتهم قوات
التحالف العربي مؤخراً في العمليات البحرية. وهو يغلق تطبيق الرسائل، انتبه
لرسالة من زوجته يبدو أنها أرسلتها بعد محاولة اتصالها الأولى عندما خرج
لجلب سيجارة من مازن: “لا تحاولش تهرب من مسؤولياتك. أشتي ارجع بيتي ضقت من
ذا الحال. خلاص كملت الحرب إيش عاد باقي”. ورسالة أخرى بعدها مباشرة بفارق
دقيقتين: “حبيبي أني خايفة عليك ما ليش حد في الدنيا غيرك”. لم يكد ينهي
قراءة الرسالة الثانية حتى اهتز الهاتف في يده باتصال منها. سحب نفساً
عميقاً إثر مجة خفيفة من السيجارة التي في يده، وفرك سطح ذقنه المستدق
بباطن إصبعيه السبابة والوسطى. لم يعرف هل يبكي أم يضحك، لكنه ابتسم وجلس
على حافة السرير. رفض المكالمة مرة أخرى وردّ عليها برسالة: “أشتيك تعرفي
حاجة واحدة يارويدا، وهي اني أحبك فوق ما تتصوري وباعمل المستحيل عشانك انت
والأولاد”. في الحقيقة، كان هذا آخر ما قاله لزوجته وإن كان مكتوباً
برسالة.
***
كان العميد صالح مقرور قد وصل إلى قيادة المنطقة
العسكرية عندما اتصل به فريد عبدالنبي صباح اليوم التالي. أخبره بأنه قرأ
رسالته وبأنه على اطلاع على وضعه، ولذلك هو ينتظره في مكتب قائد المنطقة.
العميد مقرور هو على اطلاع فعلاً على وضع فريد السابق واللاحق. كان معجباً
بشغف الضابط الشاب المتخرج لتوه من كوبا بالعمل الميداني في البحر، وبعد
سنتين فقط زكى استحقاقه للترقية إلى رتبة ملازم أول، وبعد الوحدة مباشرة
حصل على الرتبة التالية بناء على تزكية مماثلة. ومنذ شهر فقط، كان العميد
نفسه يبلغه بعرض الحكومة تعيينه في منصب أمني مرموق لكنه رفض ذلك العرض
كونه لم يقاتل في حربين إلا من أجل “وطن مستقل”.
بعد ساعة فقط من
اتصاله، كان سائق الزوارق البارع يعبر بوابة المنطقة العسكرية بسيارة لاند
كروزر مصفحة يقودها مازن الخردة وبجانبه المهندس سند سالم اللواز، وأربعة
مسلحين مستنفرين على المقاعد الخلفية. كان هناك ثلاث سيارات بيك أب (شبح)
خلف السيارة المصفحة، لكن حراسة البوابة منعتها من الدخول. كان ذلك
استعراضاً للقوة والثقل الميداني الذي صار يمثله قائد جديد في المدينة؛
سيارة مصفحة وعشرات المسلحين المستنفرين أيضاً على ثلاث سيارات شبح، وإذا
كان هذا هو الموكب الذي يتحرك به، فمن المؤكد أن لديه المزيد. مع ذلك، فقد
اضطر للاتصال بالعميد صالح مقرور للتدخل بالسماح لموكبه بالدخول إلى فناء
مبنى القيادة. لكن توجيهات قائد المنطقة جاءت حاسمة بأن ذلك ممنوع حتى على
قادة الألوية. كانت التوجيهات تتضمن اختباراً للنوايا أيضاً، وأكد الأمر
مسؤول استخبارات الجماعة الذي تدخل على استحياء من المهندس: “عادي يا فندم،
كذا أفضل”.
كان ذلك هو يوم المفاجآت. وقد تفاجأ بأنهم رتبوا اجتماعاً
ذا طابع رسمي بين عشية وضحاها، وحضره عدد من القادة الأمنيين والعسكريين
ملؤوا المقاعد حول الطاولة. ورغم أن ذلك منح فريد شعوراً بالأهمية، إلا أنه
ارتاب من تلك الشكليات كون الأمر لا يستحق اجتماعاً رسمياً، ثم عاد إلى
صوابه عندما فكر بأن الاجتماع كان معداً لنقاش قضايا أخرى وسيناقشون موضوعه
على هامش جدول الأعمال. ومثلما لم يتوقع أن تتم الاستجابة لمطالبه بهذه
السرعة، لم يتوقعوا هم أن تقتصر مطالبه على زورق وبضعة براميل من الوقود
وغذاء يكفي سبعة أشخاص لمدة أسبوع. لم يكن بحاجة لبذل مجهود كبير لإقناع
قيادة قوات التحالف وقيادة المنطقة العسكرية بأهمية الضابط الكبير الذي
تطوع للبحث عنه، بل إن العميد صالح مقرور تمنى له حظاً موفقاً لإقناع
العقيد المفقود بالعودة لخدمة وطنه “في أصعب المراحل التاريخية التي يمر
بها”. كان يعرف العقيد سالم اللواز وتحدث عنه قليلاً رغم أنه لم يكن على
وئام معه طوال الوقت. كان فريد هو الوحيد بين المجتمعين من يعرف ذلك، وزاد
من وجاهة أسباب تنفيذ هذه المهمة، الكلمة المقتضبة التي اقترح أن يلقيها
المهندس سند في الاجتماع، عن معاناة أمه المسنة جراء المصير المجهول
لزوجها. وعندما استعار بعض الاقتباسات من كلام والده عن الوطن وواجب خدمته،
بلغ الإنصات ذروته في غرفة الاجتماع. كان لدى المهندس تلك الكاريزما التي
ترافق حديث المتخصصين حتى وهم يتحدثون عن الازدحام المروري. وقد أفضت تلك
الأحاديث المقتضبة عن أهمية العميد المفقود إلى إعلان جهوزية مطالب رحلة
البحث عنه خلال 24 ساعة. مطلبه الوحيد الذي تعثر تحقيقه في نفس اليوم كان
استيعاب مقاتليه ضمن قوات الأمن والجيش، واعتماد خمسة من رجاله قتلوا في
الحرب، شهداء برواتب رسمية منتظمة وتعويض مناسب لأسرهم. عندما وصلوا للنقاش
في هذا المطلب، اقترح قائد المنطقة الانتقال من صالة الاجتماعات إلى
مكتبه، ودعا للاجتماع المغلق كل من العميد صالح مقرور وضابط إماراتي وضابط
سعودي. إذا كان هناك من سيلتحق بالجيش الجديد من أفراد جماعة الخمسين رجلاً
الآن، فلن يتم ذلك بإشراف مازن الخردة، كما أنه لن يتبقى من سيوزعه مسؤول
الاستخبارات على بقية الفصائل. وقف مازن وفي يده ورقة مطوية كالبرشور
أخرجها من ملف بلاستيكي شفاف يحوي أوراقاً أخرى. مدّ بالورقة إلى قائده كما
يفعل سكرتير عادةً. كانت مكتوبة بخط اليد ولا تحمل توقيعاً أسفل أسماء
الخمسة وعشرين مقاتلاً المذكورين فيها، وذلك يعني أن مازن الخردة بدأ يلعب
مع الكبار. ليس بسبب أن الكشف غير موقع بل بسبب عدد الأسماء. قال فريد قبل
أن يتحرك باتجاه الباب: “هات كشف الشهداء كمان”. وأخرج السكرتير الذي ارتدى
بزة عسكرية كاملة هذا اليوم، ورقة أخرى فيها قليل من الأسماء.
بعد
انتهاء الاجتماع المغلق، بادر العميد صالح مقرور لتحديد موعد مبهم لاستيعاب
أفراد جماعة فريد: “في أقرب وقت ممكن.” قال العميد، وأضاف وهو ينهض من على
أريكة ذات لون قرطبي، أن “القيادة” تقوم بحملة استعادة للسيارات المصفحة
من قادة جميع الفصائل. امتقع وجه فريد لكنه ردّ على ابتسامة العميد بأخرى
نصف مستهجنة، كما لو أنه ألقى نكتة سمجة. لقد أثار الموقف طبعه المرح عندما
تواتيه فرصة النيل من محدثه ولم يعد ذلك الضابط الصغير الذي يقف أمام
القائد، ناهيك عما فعلته الحرب حتى بالهيبة العسكرية لكبار القادة. لكنه
قمع رغبته بالسخرية. لم يقمعها تماماً في الحقيقة، فقد طلب من العميد أن
يمنحوه امتياز أن يكون آخر من يسلم سيارته المدرعة مقابل كونه أول من
استجاب لحل فصيله المسلح ودمجه في الجيش. ارتسمت ملامح التقدير على ملامح
القادة، غير أن الضابط السعودي بدا أن لديه ما يقوله: “رح نسلم لك زورق
حربي بدل السيارة يا شيخ فريد”. قال وهو يبتسم أيضاً. لم يعلق أحد على هذا
التدخل وارتبكت الابتسامات في وجوههم، ولم يبادر أحد لتبديد الحرج. وعندئذ
فقط، أطلق فريد العنان لرغبته التي قمعها قبل قليل: “يعني باتعطوني أوراق
ملكية الزورق باسمي؟” سأل بلؤم وأمال رأسه إلى الأمام رافعاً أحد حاجبيه
فقط، وبدون أن يتخلى عن ابتسامة حسن النية. تصافح المجتمعون بحرارة
وانصرفوا.
عندما كان فريد يعبر بوابة المنطقة العسكرية نحو الشارع، حدق
في عيون جنود الحراسة الذين التصقت أعينهم على زجاج السيارة العاكس للرؤية
من الخارج. كان بإمكانه رؤية وجوههم الكالحة والأثلام العميقة التي خلفتها
شظايا القذائف والمفخخات على الأعمدة الحجرية للبوابة وعلى جدار السور
القريب منها. كان مرتاباً من إصرار القادة على استرجاع السيارة المدرعة
لكنه لم يظهر أي ملمح ارتياب خلال الاجتماع. تحركت بعده سياراتا البيك أب
فيما انطلقت الثالثة بسرعة الانطلاق القصوى أمام السيارة المصفحة لتجاري
سرعتها. مروا على حواجز التفتيش نفسها التي مروا منها قبل ساعة، غير أن
ثلاث نقاط جديدة كان قد تم استحداثها. وقد تصاعد ارتيابه عند النقطة
الثالثة، حين أطال مستلم النقطة الحديث مع سائق السيارة الأولى فيما يشبه
الاستجواب، بينما كان يكتفي الآخرون بإلقاء نظرة على العلم الجنوبي في مقدم
السيارة ليعرفوا هوية صاحبها. استنفر مسلحو فريد لكنهم لم ينزلوا من
السيارة، وساد الصمت داخل السيارة المصفحة ذات التكييف الجيد. كان في منطقة
ليست ضمن نفوذه، واستعد مازن الخردة للالتفاف من وراء السيارة الأولى
ليجتاز النقطة المستحدثة، وهي إشارة للآخرين بعمل المثل. إنها عادة شبه
متعارف عليها لدى جميع الميليشيات في كل أنحاء البلاد؛ أن يتوقف القادم عند
أي حاجز للتفتيش مهما كان مركزه ونفوذه، وسواء كان حاجز تفتيش تابع للدولة
والقادم شخصية نافذة أو العكس. إنه توقف لازم للتعبير عن الاحترام وعدم
وجود نية عدوانية مبيتة. لكن عندما يطول الاستيقاف تعسفاً، يكون التجاوز
التعسفي أيضاً مبررا بالتقليل من احترام المار وأعراف الطريق. وفي اللحظة
التي أدار فيها مازن الخردة مقود السيارة، تحولت أنظار ثلاثة مسلحين كانوا
يجلسون تحت شجرة على جزيرة الشارع، نحو الإطار الأمامي، وكان ذلك كافياً
للاستنفار الأقصى. وتطلب الأمر معجزة ليفهم الخردة أن صراخ المسلحين
الثلاثة نحو رفيقهم كان لأجل السماح بمرور الموكب. ومع ذلك، كان لا بد من
ردّ الإهانة بالانطلاق السريع وإثارة الحصى المتناثر على الأسفلت على وجوه
مسلحي حاجز التفتيش. كما كان على فريد أن يقضي يومه البري الأخير بعيداً عن
المتاريس. لم يسبق أن استسلم لشرود طويل من قبل كما يفعل الآن. لا بد أنه
يحتاج للتفكير بتقنية الزورق الجديد وتصفح ذاكرته البحرية من جديد، وحرص
مازن الخردة على إبلاغ أفراد الجماعة بأن القائد كلف بمهمة بحرية من قبل
قيادة الجيش، ويحتاج لتجهيز نفسه للمهمة.
في اليوم التالي كان فريد
أبو هوري يطير بزورق دورية صغير مزود بمدفع رشاش محدود الذخيرة، وإلى جانبه
سند سالم، ومسلحوه الأربعة بأسلحتهم الكلاشينكوف ورشاش متوسط انتزعوه من
فوق إحدى سيارات البيك أب الواقفة في حوش الفيللا. وفي الوقت الذي كانت
عيناه تمسحان سطح البحر بنظرات نصف دائرية، كان يطالب المهندس النفطي أن
يقوم بتخمين الجزر التي قد يتوجه إليها والده. لكن ذلك يعني أن الوالد كان
على تواصل طبيعي مع ابنه، وكان على سند أن يكرر بين لحظة وأخرى نفس
الإجابة: “زي ما انت عارف ما كانش يكلمنا كثير عن شغله”.
– طيب إيش اللي خلاك متأكد انه في البحر؟ ليش ما يكونش راح أبين مثلاً أو حضرموت أو شبوة؟
– لأنّحنا اتصلنا بكل الناس اللي ممكن يروح عندهم داخل عدن وخارجها. من
خمسة اشهر يا عم فريد واحنا نسأل وندوّر. فكرنا بكل الاحتمالات حتى احتمال
انه يكون لا قدّر الله مات، بس الوالدة مصرة انه في واحدة من هذي الجزر.
كان الافتراض بأن العقيد الصياد قد مات حاضراً خلف لسان فريد غير أنه لم
يستطع أن يقوله مراعاة لمشاعر أسرة العقيد، ولأنه من جانب آخر، لا يريد أن
يعطي انطباعاً يشكك بدافعه للبحث عن قائده القديم. وفيما كانا مستمران في
الحديث المتعاقب مع الصمت الذي قد يطول لأكثر من خمس دقائق، كان المرافقون
الأربعة يمرحون على ظهر الزورق تاركين سلاحهم على مقربة منهم. إنهم في
حقيقة الأمر ليسوا مقاتلون مليشاويون بالفطرة، بل شباب أكملوا تعليمهم
الجامعي وكانوا يبحثون عن فرص عمل وجاءت الحرب لتقضي على كل فرصة للحياة
أمامهم. وهاهم يمرحون بنفس الروح التي كانت لهم عندما كانوا طلاباً في
الجامعة. قتل الكثير من هؤلاء الشباب منذ بداية الحرب ومازال الكثير أيضاً
يحملون السلاح رافضين التخلي عنه لأنه ليس لديهم ما يفعلونه بعد ذلك. رغم
هذا لا أحد يتحدث عنهم ولا حتى يناديهم بأسمائهم.
خفض فريد سرعة الزورق
قبالة جزيرة صخرية وأبدى عدم يقينه بأنه المكان المطلوب. قال إنه منذ
يومين يحاول استرجاع ذكرياته مع العقيد، وما إذا كان قد دار بينهما حديث
حول اهتمامه بالجزر! لم يفلح في تذكر شيء من هذا القبيل، كما لم يفلح في
تمييز المكان؛ رأس جبل طافٍ فوق الماء منذ الأزل وليس فيه ما يدل على وجود
كائن حي عدا بعض الطيور الخواضة تحوم وتحط بمحاذاة المياه أسفل القمة
المستطيلة. “تصدق يا سند آخر مرة جيت هنا كانت قبل عشرين سنة واكثر!” قال
فريد الذي يحاول تذكر المكان. دار حول رأس الجبل ببطء كما يفعل طائر
البلشون الرمادي الذي أوشك أن يحط على صخرة ناتئة أسفل القمة الطافية. على
أية حال لا تصلح هذه القمة حتى لإقامة الطيور، لكنهما نزلا ليلقيا نظرة على
المكان؛ لم يكن هناك ما يدل على وجود حياة، ولعن فريد وهما ينزلان منها
نحو القارب، تلك الجيفة المختلطة لأحياء البحر النافقة التي يقذف الموج
بقاياها على الصخور. لقد أعاقت تنفسهما بصورة طبيعية رغم أن قوة انتشارها
لم تكن حتى بمستوى عفونة مكب نفايات.
انطلق الزورق الصغير شرقاً في
خط مستقيم، وعاد غرباً، ثم أخذ يدوم الجهات. لقد بدأ البحر والجبال المحيطة
به ومعالم المدينة في إشعال ذاكرة قائد الزوارق المجنون، وبدا كأنه نسي
مهمة البحث عن قائده المفقود. حتى ابن القائد الذي يناديه بالعم رغم أن
فارق العمر بينهما ليس كبيراً، أصيب بالدوار، والمرافقون الأربعة لم يعودوا
يمرحون. لم يكتف بعدم الترجل للبحث في الجزر الكبيرة، بل صار يطوف حولها
موسعاً قطر الدائرة وبنفس السرعة التي يمشي بها في خط مستقيم. عندما اقترب
بالزورق من إحدى الجزر ليتناولوا الغداء على صخورها، قال وهو يرمي المرسى:
“أعتقد ان هذي أبو شملة”. “أعتقد انه من الأفضل لو نكون ننزل… نلقي نظرة
ما بنخسرش حاجة.” ردّ سند وهو يغالب الغثيان بشراب زنجبيل من حافظة قهوة.
بعد الغداء، استمر أبو هوري في الدوران حول الجزر، ولم يفق من جنونه إلا
عندما رأى الشمس تنحدر غرباً، وخشي أن سند قد أوشك على تصعيد اغتياظه من
لامبالاة رئيس فريق البحث. نزلا إلى ثلاث جزر، وتأكد سند أنه لم يكن يهلوس
بسبب الدوار عندما لمح قبل ذلك ما يشبه الوجود البشري عليها. سأل فريد إذا
ما كانوا قد مروا على هذه الجزر، فأجاب مؤكداً. كان على إحداها بعض
الصيادين والهاربين من جحيم الحرب الذين لم يتمكنوا من مواصلة النزوح نحو
شواطئ الصومال وجيبوتي. وقد أخفى الصيادون قواربهم خلف الصخور بعد أن نفد
منها الوقود تفادياً لتعرضها للقصف الجوي أو البحري. سأل سند أحد الصيادين:
“تعرف صياد اسمه سالم الزينوب”؟ نظر الصياد إلى صلعة المهندس اللامعة قبل
أن يجيب. “معروف. انت قريبه والا شي”؟ ردّ صياد آخر كان بالقرب منهم وكأنه
استرشد بالصوت الجهوري ليخمن وجود هذه القرابة. “أنا ابنه.” أجاب سند،
وانهال بعد ذلك بالأسئلة على الصياد النحيل. لقد مر أكثر من شهر منذ رآه في
عرض البحر، لكنه لا يعرف بأنه في عداد المفقودين بالنسبة لعائلته. رغم
ذلك، فقد أفاد استجواب الصياد في حصر نطاق البحث. “هو أصلاً ما يعجبوش حتى
يصطاد من هنا. يمر جازع طريق بس، ويروح جهة ساحل ابين والا يجلس قريب
المعلا.” قال الصياد وهو يحرك ذراعه الممدود في الهواء فارداً سبابته كإبرة
بوصلة. “المعلاّ!” ردد فريد الكلمة الأخيرة بتلك النبرة التي توحي بأن
المستفسر سيقول بعد أن يفك انكماش أنفه وعينيه: لقد مر عليّ هذا الاسم.
لكنه حول نظره بسرعة نحو سند وقال: “مرزوق”. قال ذلك وهو يقذف برأسه بشكل
مائل نحو البحر في إشارة لاستعجال المغادرة.
في الطريق إلى الزورق
كما في الطريق إلى جزيرة مرزوق كبير، أخبر فريد ابن قائده القديم بما تذكره
من خلال كلام الصياد عن الأماكن التي كانت تعجب العقيد. لقد تذكر أنه طلب
منه في بعض المرات إنزاله في هذه الجزيرة وأن يأتي لاصطحابه في اليوم
التالي. كان لا يزال فريد يتحدث عن خلوة العقيد مع نفسه في جزيرته المفضلة
عندما وصلوا إليها. اقتربوا من شاطئها الرملي ونزلوا جميعاً عدا واحد من
المرافقين بقي لحراسة الزورق. قادهم فريد بثقة المتأكد أن هذا هو المكان
المطلوب، وبعد عدة خطوات، بدأت رائحة الجيفة المختلطة نفسها التي أعاقت
انتظام أنفاسهم في تلك القمة، تخنقهم تماماً كلما داسوا على الصخور النابتة
في الرمل. متوغلين في قلب الجزيرة، اضطروا للف شيلانهم حول رؤوسهم مرتين
لتغطية أنوفهم وأفواههم كي يسحبوا أنفاساً خاطفة، ثم يزفروها بسرعة ويرفعوا
رؤوسهم للأعلى في محاولة لتفادي تركيز الجيفة. كانت الشمس تقترب من الغروب
وشعاعها الشاحب يتظافر مع رائحة الجيفة في تكثيف الوحشة في المكان. أراد
سند أن ينادي والده وخرج صوت ممجوجاً بين ثنيات الشال الملفوف على فمه
بإحكام. لم يعرف أنه جازف بكمية الهواء التي كانت في رئتيه إلا عندما شعر
بالصوت يرتجع تلقائياً إلى حلقه. أجبره ذلك على التوقف وسحب كمية كبيرة من
الجيفة عبر فمه وأنفه لا إرادياً، وكاد يغمى عليه. وفي اللحظة التي رأى
فريد اتساع عينيه وانحناء ظهره العريض، أمسك به وساعده في الاتكاء على طرف
صخرة مائلة بضعفي طوله. أجلسه وقرفص بجانبه، واستسلم المهندس شبه المغمى
عليه لرائحة الجيفة طالما أنها ستعيد رئتيه إلى العمل بانتظام. أرخى لفة
الشال وأنزلها مبقياً عليها لتغطي فمه فقط، وكانت كل التعليمات التي يلقيها
فريد مجرد غمغمات تصاحبها إيماءات برأسه ويديه، وتقتصر على القول نعم افعل
هكذا أو لا تفعل هذا. “الجيفة خفّت.” قال سند بصوت أجش اخترق ثنيات الشال
المرتخية، وما لبث أن حرر فمه أيضاً وخلع قميصه، ثم سحب نفسه في تجويف
الصخرة المائلة على كومة صخور بنصف ارتفاعها وممتدة كسلسلة جبلية تحجب رؤية
البحر من الجانب الآخر. لقد كان يجلس في منعطف مؤدي إلى الضفة الأخرى من
الجزيرة عبر منفذ أحاطت به الصخور الكالحة من جميع الجهات، وعندما عبروا
المنعطف بظهور محنية، كانت الحرارة المنبعثة من الصخور تلفح وجوههم، ورائحة
الجيفة تعتصر في طيات شيلانهم، ولكن ليس بتلك الكثافة التي كانت عليها قبل
قليل. توقفوا على حافة شديدة الانحدار، ورأوا قارباً مقلوباً على أحد
جانبيه وقد أسند إلى صخرة بحجم حاوية تحجب بدورها رؤيته من البحر. هرعوا
نحوه عبر الأخدود المتوسط بين الحاوية الحجرية وسلسلة الصخور التي انعطفوا
عند بدايتها، وصرخ المهندس الذي لم يعد يشم رائحة الجيفة: “يا بااااااااه”.
ردت عليه طيور البلشون واللقلق التي تحلق ببطء وتحط خلف السلسلة الصخرية.
الكثير من الأحجار كانت تغطي الفراغات بين حواف القارب والصخرة العملاقة،
وعندما تمكنوا من إعادته على بطنه، ظهر تحته الجسد الضامر للعقيد الصياد
مرتدياً سترة عسكرية ممزقة. كان محموماً وخائرا، وكل ما يريده هو أن يحمي
جثته من طيور اللقلق في حال مات وهو نائم. رفعه ابنه وفريد، وداس أحد
المرافقين الشباب على عظام رأس سمكة عندما تقدم مناولاً زمزميته لفريد، لكن
العجوز لا يشعر بالعطش. كان مستغرباً من مجيء هؤلاء الغرباء الحريصين على
إنقاذ حياته، في حين مازال قادراً على تدبر أموره. هو فقط يخشى من الموت
وهو نائم فتنهش النسور واللقلق جثته. وهذه الليلة شعر بإنهاك جراء نقل
عشرات الجثث والأشلاء إلى الطرف الآخر من الجزيرة لكي لا تبقى الطيور
الضخمة بالقرب منه. اعتقدوا أنه يهذي لفرط الحمى وشدة الجوع، لكنه لم يكن
يهذي على أية حال. “ما تشموش الجيفة؟ أنا ما عاد أشمش. كل يوم تطلع جثث
وأشلاء من البحر”. قال ملك الزينوب من تحت شاربه الأبيض الكث الذي أخفى فمه
بالكامل والتقى بشعر ذقنه. كان رأسه كتلة شعر بيضاء تبرز منها عظام خديه
وجبينه وأنفه كبقع الكاكاو. أمسك بعلاقة كيس من النايلون الأبيض لم تعد
تقرأ العلامة التجارية المطبوعة عليه، ووضعه أمامهم. كان بداخله المئات من
البطائق الشخصية والعسكرية والصور التي شوه الماء ملامحها. لقد جمعها طيلة
الشهور الماضية عندما كانت تعلق بشباكه الجثث المنهوشة والمتفسخة جنباً إلى
جنب السمك الذي يصطاده، فيسحبها إلى شاطئ الجزيرة ويفتش في جيوب ما تبقى
من ملابسهم في حال كان لديهم أوراق ثبوتية. لم يكن يعرف ما الذي سيفعله
بهذه البطائق لكنه قرر جمعها عندما تكرر اختلاط الجثث والأشلاء مع أسماكه
لثلاثة أيام متتالية. وبعدها لم يعد ينشر شباكه لصيد السمك بل لانتشال
الجثث وجمع هوياتها وما تبقى من تذكارات بحوزة أصحابها. كان يسميهم الشهداء
أثناء حديثه عنهم، وبعد أن نفد منه الوقود، سحب القارب إلى ذلك الأخدود
وأخرج كل ما بداخله من أدوات وصنع له كوخاً. ومن بين تلك الأدوات علبة
الطلاء الحمراء التي أفرغها على سطح الحاوية الحجرية محاولاً إعادة تسمية
الجزيرة: “جزيرة الشهداء”. كانت الحروف متعرجة ومتفاوتتة السُّمك، وبعد
ثلاثة أشهر لم تعد الجثث بحاجة لمن ينتشلها، إذ تكفل البحر بقذف أشلائها
على صخور الشاطئ، وصار على ملك الزينوب أن يترقب وصولها آملاً العثور على
بطاقة أخرى أو صورة أو أي شيء يخص هؤلاء الشهداء. وفي كل مرة لا يجد شيئاً
سوى أشلاء الجثث التي تنتظرها بطون الجوارح.
كان يتحدث إلى منقذيه
بطبيعته القديمة قبل أن يتحول إلى صياد سمك، لكنه يحتفظ بتلك النظرة
الثابتة والصمت الأكثر مهابة من صوته الجهوري. أصر سند أن ينقله فوراً إلى
المدينة لعرضه على طبيب ثم العودة إلى البيت. رفض في البداية، لكنه وافق
بعد أن كثر إلحاح سند، وبعد أن قال له إن أمه قد صارت “جلد على عظم” وهي في
انتظار عودته. انتشل الكيس الذي يحمل الشهداء ولم يتمكن من إكمال الوقوف
بمفرده.
لم تكن العودة إلى المدينة خياراً مرضياً لفريد. مع ذلك، لم
يفصح عن رغبته بقضاء الليل في الجزيرة، وتقاطر جميعهم بعد سند وهو يحمل
والده فوق ظهره إلى القارب. كان القمر قد قطع ربع مسافة السماء، وفوق ذلك
أشعل الشبان الثلاثة مصابيحهم اليدوية شديدة الإضاءة وساروا بعد قائدهم.
عند القارب، كانت الراديو توشوش، وبعد لحظات انبعث منه صوت يسأل عن هوية
الزورق. ضغط فريد زر الميكروفون، وأخبر السائل بهوية الزورق ومهمته، ثم عرف
بالمسؤول عنه المهمة: “العقيد فريد عبدالنبي…” كان على وشك أن يقول
“فريد أبو هوري”. أخبره السائل المتسلط من الطرف الآخر بأن الزورق عليه
بلاغ فقدان، وأن اسم قائد المهمة ليس وارداً في بلاغات التحرك الرسمية
الواردة إلى عمليات البحرية. بعد كثير إلحاح من قبل الصوت المتنمر المنبعث
من سماعة قمرة القيادة والذي يأمره بالتوقف، قال فريد: “العميد صالح مقرور
وقائد المنطقة الرابعة على اطلاع بالمهمة… قيادة قوات التحالف وافقت على
المهمة…”. تشوش البث واستمر فريد في قيادته المجنونة للزورق، وكلما اشتد
غضبه من الصوت المتنمر في الراديو، زاد سرعة الزورق. وصل إلى السرعة
القصوى، والتمع البحر بانفجار صاروخين على مقربة من زورق الإنقاذ. بعد أقل
من دقيقة، كانت أشلاء سبعة “شهداء” جدد تغوص متفحمة في البحر.
- من مجموعة “الرجاء عدم القصف” 2016




