- كتب: نبيل الشرعبي

دماج في “الرهينة” قدم سرد روائي مغاير لكثير من الروايات التي تتقوقع في دائرة تاريخية أو ظاهرة مجتمعية يفزرها واقع العادات والتقاليد، فقد خرج دماج عن المألوف المجتمعي إلى السياسي كمتغير وحاكم وممارسة، ومنه إلى الديكتاتور المتسلط والديني المنكر للحق في الحياة لمن يخالفه الكفر بالسماوي الواحد.
ما سبق مقدمة من قراءة مغايرة اعتمدت فيها على الروح كحاسة وبصر غوصاً في رائعة ” الرهينة” للروائي زيد مطيع دماج_ رحمه الله، وكنت قرأتها مرتين قبل هذه القراءة الأخيرة.
في قراءتي هذه اكتشفت غير ما خرجت به في القراءتين السابقتين.. “الرهينة” وإن كان دماج يحكي عن حقبة زمنية اعتقدت سابقاً مثل كثير أنها ماضية، إلا أني وجدت في هذه القراءة بأن “الرهينة” هي لسان حال اليمن ماضيا وحاضرا وقد تكون مستبقلا.
في الرهينة استشرف فيها دماج تفاصيل حُقب زمنية متوالية بما فيها الـ 5 الأعوام الأخيرة في تاريخ اليمن والتي ربما تمتد الفترة، ومثلها الحُقب الزمنية الأخرى..
دماج كتب “الرهينة” بروحين، روح حاضره- تاريخ عاشه، وروح استشراف المستقبل، ولذلك فـ “الرهينة” ليست مجرد رواية، بل روح اليمني على امتداد تاريخ طويل ماضياً وحاضراً وقد يكون مستقبلا وهو ما توجع له كثيراً دماج..
دماج في “الرهينة” قدم سرد روائي مغاير لكثير من الروايات التي تتقوقع في دائرة تاريخية أو ظاهرة مجتمعية يفزرها واقع العادات والتقاليد، فقد خرج دماج عن المألوف المجتمعي إلى السياسي كمتغير وحاكم وممارسة، ومنه إلى الديكتاتور المتسلط والديني المنكر للحق في الحياة لمن يخالفه الكفر بالسماوي الواحد، إضافة إلى استحضاره سلطة المعبد وفرض نفوذها لتصبح المتحكم في السياسي ومشهد البلد.
لم يكن دماج مولود زمانه فقط بل يتجدد ميلاده من خلال “الرهينة” على امتداد الزمن، ولذلك فـ “الرهينة” هي اليمن وروح اليمني البائس ماضياً وحاضراً وأنت وأنا وهو والطفل الذي ما زال في رحم الغيب إذا لم يحدث تغيير في نمطية التفكير والرؤية والتعامل مع الواقع وابعاده وما سيفضي للمستقبل.
كثير مثل غيري في قرأتي السابقتين لم أكتشف ماهية ثآر اللاعوي الذي تحدث عنه دماج في لغة سردية غير مباشرة، ولطالما ظل ثآر اللاعوي يحكمنا فلن تتعافى اليمن ولا الإنسان اليمني فهو الذي يحكمنا ويتحكم بمصير الحاضر والمستقبل من خلال تشابك وتعقيدات الرؤى والتخطيط الذي يفضي لبقاء اليمن معلولاً ليسهل اقتياده كـ “رهينة” ليس لها من حق بالحياة والتفكير والعيش غير التابعية والإذعان المحكوم بالقهر والاعتقاد المريض بأن ما يجري قدر وعقاب على شذوذ غير المتدين بدين الحاكم الذي لا يقر إلا بمسخ العقل وعبودية من يحكم..
ومع مقاربة بين “الرهينة” لدماج وكتاب “جمهورية النبي” لعبدالرزاق المنتصر، نجد أن دماج تحدث على رق العقل القائم على الوعي بهذا الرق خشية فقدان السيطرة على الاتباع لضمان بقاء الحاكم مقدساً، وكذلك الرق العقلي غير الواعي والمنبثق من الاعتقاد بأن لو لا الحاكم لتكالب الأعداء على التابعين وأحالوا حياتهم جحيم، ومثله عبدالرزاق المنتصر تحدث على الحالتين مع اختلاف لغة الخطاب، فدماج تحدث بلغة أدبية روائية سردية ذهب جانب ممن قرأ “الرهينة” للاهتمام بالحبكة الروائية وأغفلوا رمزية الحديث، فيما المنتصر ترك الرمزية ليتحدث بلغة مباشرة ولذلك قال إن النبي محمد عليه السلام لم يُرسل لنصرة الله بل لمساعدة بلال بن رباح رضي الله عنه للانتصار على الرق العقلي والتحرر منه، إذ كان بلال يؤمن بحرية الفكر والعقل، وهو نفس ما تحدث به دماج على العشق للعبودية وسط شريحة واسعة من اليمنيين الذين صادروا حرية الله الممنوحة لهم ليستبدلوها بعبودية الحاكم والديني المتسلط.
وهذا يؤكد أن “الرهينة” وجع الماضي المتوالد حاضراً ومستقبلاً مريضاً.




