
- كتب: منصور السروري
ليست الفاجعة في موت الطفلة صفية، فالموت حق، ولكن الفاجعة تكمن في “كيفية” الموت، وفي الأسباب التي تجعل من الروح البشرية أرخص من ورقة نقدية مهترئة.
في تعز، المدينة التي تئن تحت وطأة الحصار والحروب، ولدت مأساة جديدة لم يكن بطلها رصاصة طائشة أو قذيفة غادرة، بل كانت “اللامبالاة” و”البيروقراطية القاتلة”.
الطفلة صفية، لم ترحل لأن أجلها استوفى شروطه الطبيعية فحسب، بل رحلت لأن الإنسانية في مؤسساتنا الصحية قد أُعلنت وفاتها قبلها بكثير.
***
تأملوا جيداً في ملامح ذلك الأب المكلوم الذي تناقلت الدنيا صرخته الصامتة.
إنه ليس مجرد رجل يمني بسيط، بل هو تجسيد حي لكل مواطن يجد نفسه وحيداً أمام “غول” التكاليف الطبية.
كان يحمل طفلته أمام بوابة أحد مستشفيات تعز، لم يكن يطلب معجزة من السماء، ولم يكن يطمح لرفاهية العلاج في الخارج.
كل ما كان يبتغيه هو “فرصة”؛ نبض إضافي، نظرة أخيرة من عين صفية، أو صرخة طفولية تخبره أنها لا تزال هنا.
كان يفتش عن قلب يحس بوجعه وقهر الرجال الذي يفتت الصخر، لكنه وجد بدلاً من القلب “حاسبة آليّة” لا تقبل القسمة إلا على الأرقام المدفوعة.
***
يقولون إن الأرقام لا تكذب، لكن في قصة صفية، كانت الأرقام “تقتل”.
ثلاثون ألف ريال يمني فقط لا غير؛ هذا هو الثمن الذي وضعته الإدارة كفاصل بين الحياة والموت.
رقم صغير جداً في حسابات المسؤولين، لكنه كان جبلاً شامخاً لم يستطع هذا الأب تسلقه بجيبه الفارغ.
في اللحظة التي كانت فيها روح صفية تنسل ببطء، كانت الأوامر صارمة: (لا فحص.. لا علاج.. لا حياة) ما لم يُسدد المبلغ.
كيف يمكن لعقل بشري أن يستوعب تحول “رسالة الطب” من إنقاذ الأرواح إلى تحصيل الفواتير؟
كيف تحولت أبواب المشافي إلى جدران صماء لا تنفذ منها استغاثات الفقراء؟
لقد سقطت الرحمة في ذلك اليوم سقوطاً مدوياً، وأصبحت “الفاتورة” هي الإله المعبود في أروقة المستشفى.
***
بينما كان الأب يحتضن جثة طفلته، كان هناك من ينبري لتقديم “التوضيحات” والمبررات الإدارية.
هذا التباين يختصر حكاية اليمن اليوم؛ شعب يموت في الأحضان، ومسؤولون يبرعون في صياغة المبررات وتنميق الكلمات.
نتحدث هنا عن جريمة أخلاقية كاملة الأركان، وليست مجرد “خطأ إداري” أو “نقص في الميزانية”.
الجريمة هي “تسليع الموت”؛ أن يصبح العلاج حقاً حصرياً لمن يملك، والموت قدراً محتماً لمن لا يملك.
توسل الأب، انكسرت نبرات صوته، ارتجفت يداه وهو يرى فلذة كبده تذبل، ولكن لا شيء اهتز في “الداخل المؤسسي”.
كان البرود سيد الموقف، وكأن من خلف المكاتب لا يرون أمامهم بشراً، بل مجرد “حالات” تفتقر إلى الأهلية المالية.
***
إن رحيل صفية هو إعلان وفاة للجزء المتبقي من “العقد الاجتماعي” في بلادنا.
ماتت صفية ومات معها شيء في ضمير المجتمع الذي يشاهد ويصمت، وفي ضمير المسؤول الذي ينام ملء جفونه بينما الرعايا يفتقدون ثمن “المعاينة”.
هذه المأساة هي مرآة لوضع أكبر وأخطر: حين تصبح المستشفيات “بوابات للفرز المالي” بدل أن تكون ملاذاً للمتعبين.
أي مجتمع هذا الذي يضطر فيه الأب لبيع كرامته أو الوقوف عاجزاً يشاهد موت طفله لأن جيبه خاوٍ؟
وأي زمن هذا الذي تساوم فيه الأنظمة على “نبض الأطفال”؟
المأساة ليست في فقر الأب، فالفقر ليس عيباً، بل المأساة في “فقر الرحمة” لدى من يملكون القرار.
***
إن هذه الكلمات ليست مجرد رثاء لصفية، بل هي بلاغ مقدم للضمير الوطني.
يا مسؤولي تعز، ويا مسؤولي اليمن في كل مكان: إن دماء هذه الطفلة ستظل تطاردكم في كوابيسكم.
كيف تبررون بقاء منظومة صحية ترفض استقبال طفلة تنازع الموت لأجل مبلغ زهيد؟
إن المستشفى الذي شهد هذه الواقعة ليس إلا نموذجاً مصغراً لخلل عميق يضرب جذور الدولة.
الحياة ليست سلعة تُعرض في المزاد، والمواطن ليس “زبوناً” يُطرد إذا تعثر في الدفع.
المطلوب ليس فقط “تحقيقاً” ينتهي في أدراج المكاتب، بل تغيير جذري يضمن كرامة الإنسان اليمني في وطنه.
يجب أن تفتح أبواب الطوارئ قبل أن تُفتح المحافظ، وأن تُقدم الروح على الريال.
***
رحلت صفية، وخلفت وراءها صورة ستبقى محفورة في ذاكرة التاريخ اليمني؛ صورة الأب الذي يحمل “الخيبة” و”الفقد” في آن واحد.
لقد غادرت الطفلة عالماً لم يتسع لفقرها، وذهبت إلى رب لا يسأل عن “إيصالات السداد” قبل أن يغمر عباده برحمته.
لكن السؤال الذي تركته صفية خلفها لن يرحل:
كم “صفية” أخرى يجب أن تُزهق روحها؟
وكم أباً آخر يجب أن ينكسر صوته أمام بواباتكم الصماء، قبل أن تدركوا أن وظيفتكم هي “حماية الحياة” لا “جباية الموت”؟
إن صرخة هذا الأب في تعز هي صرخة شعب بأكمله يرفض أن تُدار حياته بهذه الطريقة البشعة.
ارحموا من في الأرض، لعل السماء تغفر لكم ما اقترفتموه بحق صفية وأمثالها.
وداعاً صفية.. وسلاماً على وطنٍ يقتل أطفاله ببرود “الفواتير”.




