- رستم عبدالله
الكلُّ في قريته يثني عليه، وعلى أخلاقه وأدبه الجمّ. كان منذ طفولته مهذباً، ومؤدباً، ولبقاً ماهراً في فنون الكلام. اعتاد احترام نفسه، فكسب بذلك احترام الناس. كانت سمعته هي ثروته ومستقبله؛ ولهذا كله، لم يجانفِ الرذائل ولم يقترفِ الآثام طوال عمره. حتى عند غضبه، كان حليماً يحسن انتقاء الألفاظ، ويسيطر على سَوْرةِ غضبه.
عندما رحل إلى المدينة للالتحاق بالدراسة في الجامعة، لم يخدعه بهرج المدينة وحياتها الصاخبة، ولم ينجرَّ وراء نزوات زملائه، ورفض أن يتخذ له صديقة كالآخرين؛ فقد كانت الفضيلة عنده هي احترام الذات الجدير بأن يجلب احترام الآخرين. تعرَّض لعدد من محاولات الإغراء والمعاكسة من عوانس وأرامل الحي الذي يقيم فيه. وفي تلك الشقة التي كان يقطنها مع عدد من زملائه الطلاب، كانت تسكن قبالة شقتهم مومسٌ تقتات من لحم جسدها الوفير، الذي تعيره لطالبي المتعة برهة من الزمن مقابل حفنة من النقود تحصل عليها. كانت جميلة جداً وممتلئة القوام، يتحسر المرء أن تنحدر إلى ذلك المستوى، وأن تفرط تلك المهرة الأصيلة بجمالها وتهينه بهذه الصورة المقززة. كان الكل يتسابق لإرضائها وقضاء وطره، وإشباع غرائزه، وإسكات تلك الحيوانية التي تعربد في صدورهم.
لاحظ أن زملاءَه في الشقة قد بدؤوا يدمنون زيارتها ويتناوبون المبيت عندها. كان يحتقرها في قرارة نفسه، ويلعن اليوم الذي سكن فيه في تلك الشقة وذلك الحي المسكون بنسائه الراغبات المحمومات.
كانت المومس، رغم جيش الرجال الذين تعرفهم، لا تزال ترفل في ثوب الصحة والعافية، وتشُعّ نضارة وحيوية. وكانت تتمنى ولو تحية عابرة منه، أو تسمع كلمة من فمه؛ فقد كان الشوق يهصر قلبها هصراً للحديث معه. لكنه كان يرفضها ولا يطيق رؤيتها؛ إذ كان يشم منها تلك الرائحة المختلطة للعرق المقزز لأولئك الرجال من زوارها، ولم تؤثر فيه رائحتها العطرية المغرية التي تدوخ الرجال وتستقطبهم، وتجعل شهواتهم تنبض وترتجف رغبة.
كثر الكلام عنها في الحي، وتضايقت بعض النسوة اللواتي دبَّ الخوف في قلوبهن على أزواجهن منها. التقت به ذات يوم وهي ترتدي ملابس فاضحة، بانتظار أحد زبائنها، فاستحلفته بالله وناشدته باسم الدين وحق الجوار —ولو كان الجار يهودياً— أن يسمعها. أصغى إليها بتذمّر، فتوسلت إليه أن يمنحها خمس دقائق فقط، وأن يأتي إلى مسكنها وستترك الباب موارباً. رفض الذهاب إلى تلك البقعة القذرة وماخور الفحش —كما يسميه— لكنه وافقها الرأي على أن تأتي هي إلى شقته لتشكو له مأساتها، بعيداً عن أعين المارة المتطفلين.
وما إن استقرّت أقدامهما بأرضية الشقة، حتى انقضّت عليهما لمّة من شرطة مكافحة الآداب؛ لتنتشر حكاية “الرجل المهذب” كالنار في الهشيم في الجامعة، والحي، والقرية.





