
- بقلم: فارس العليّ
تفكيك المنهج والأدوات
الكتاب الذي أقام الدنيا ولم يقعدها
في عام 1926م، أصدر عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين كتاباً صغيراً في حجمه، زلزالياً في أثره، أطلق عليه اسم “في الشعر الجاهلي”. لم يكن هذا الكتاب مجرد دراسة أدبية عابرة، بل كان بمثابة صدمة حداثية هزت أركان الثقافة العربية والمؤسسات الفكرية والأكاديمية وقتها، حتى حُظر الكتاب وسُحب من الأسواق، وأعيد طبعه لاحقاً بتعديلات تحت عنوان “في الأدب الجاهلي” (1927م).
ولكن، لماذا أثار هذا الكتاب كل ذلك الضجيج؟ وكيف يقودنا طه حسين من خلال صفحاته الأولى إلى إعادة النظر في كل ما تعلمناه عن التاريخ الأدبي العربي؟
في هذه الحلقة الأولى من سلسلتنا المكونة من سبعة أجزاء، سنغوص في الصفحات الأولى من الكتاب (1-26) لنفكك المنهج الجديد والأدوات العلمية التي اتكأ عليها العميد لإحداث هذه الثورة الفكرية.
استعارة “الشك الديكارتي”
يبدأ طه حسين كتابه بإعلان صارم ومباشر: إن الإشكالية الكبرى في دراسة الأدب العربي القديم لا تكمن في قلة المصادر، بل في المنهج المتبع.
كان القدماء والمحدثون يدرسون الأدب العربي بمنهج يقوم على “التسليم والتصديق”؛ فكل ما رُوي عن الأوائل هو حقائق لا تقبل البحث أو التشكيك. وهنا يقرر العميد أن يكسر هذا القالب التقليدي عبر استعارة منهج الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، وهو ما يُعرف بـ “الشك المنهجي”.
ما هو الشك المنهجي عند طه حسين؟
الشك في حد ذاته، ليس إنكاراً مجرداً للحقائق، بل هو وسيلة ومعبر لنزع التقدس عن النصوص للوصول إلى الحقيقة اليقينية. ولكي ينجح الباحث في تطبيق هذا المنهج، يفرض طه حسين شرطين قاسيين على عقليتنا أثناء القراءة والبحث:
• التجرد الكامل من المعارف المسبقة: أن يدخل الباحث إلى النص الأدبي وهو يخلع عن عقله كل ما طبعه الموروث فيه من أحكام وقناعات سابقة. وهو ما نجده أيضاً لدى الفيلسوف الوجودي الظاهراتي إدموند هوسرل.
• التجرد من العواطف القومية والدينية والوطنية: يرى طه حسين أن العاطفة هي العدو الأول للبحث العلمي الصارم. فإذا دخل الباحث الأدبي وهو يريد تقديس الماضي، أو إثبات تفوق قوميته، أو الدفاع عن فكرة مسبقة، فسوف يفسر النص بما يخدم عاطفته لا بما يقتضيه العلم.
”إن المنهج العلمي الصحيح يستوجب أن ننسى عواطفنا، وأن ننسى ديننا، وأن ننسى قوميتنا، وألا نلتمس في الأدب إلا الأدب وحده.”
— د. طه حسين
أغلب ما نسميه “شعراً جاهلياً” هو شعر مُنتَحَل!
عندما طبق طه حسين أدوات “الشك الديكارتي” على المدونة الشعرية المنسوبة إلى العصر الجاهلي، خرج بنتيجة صدمت أوساط الأدباء والعلماء. يقرر طه حسين أن “النسبة العظمى من الشعر الذي وصل إلينا على أنه شعر جاهلي ليس من الجاهلية في شيء، وإنما هو شعر “مُنتَحَل” أي موضوع ومختلق، قيل بعد ظهور الإسلام ونُسب زوراً وبهتاناً إلى شعراء الجاهلية كـ “امرئ القيس”، و”زهير بن أبي سلمى”، و”طرفة بن العبد”. ولكن كيف وصل إلى هذه النتيجة؟
يطرح العميد قاعدة نقدية ذهبية: “الشعر الصادق هو مرآة بيئته وزمانه”. فالشاعر ابن بيئته؛ يعكس لغتها، وعقائدها، وعاداتها، وصراعاتها الاقتصادية والاجتماعية. لكن عندما نتأمل في الأشعار المنسوبة إلى الجاهليين كما يقول، نجد أنها تصوّر بيئة، وعقلية، ولغة تختلف تماماً عن الحياة الجاهلية الحقيقية! نجد فيها أفكاراً وصياغات ولغة إسلامية أموية أو عباسية صرفة، ولكنها ملبسة لبوس الجاهلية.
القرآن الكريم هو وثيقتنا الأصدق عن الجاهلية (مفارقة المرآة)
أمام هذه النتيجة الصادمة، يطرح المعترضون سؤالاً منطقياً: إذا كان الشعر الجاهلي مدخولاً ولا نثق به، فكيف نتعرف على الجاهلية الحقيقية ونفهم بيئتها؟
هنا يقدم طه حسين إحدى أجرأ وأهم أفكاره النقدية؛ مفادها أن الوثيقة التاريخية والأدبية الأصدق والأدق التي تصوّر الحياة الجاهلية بحق ليست هي الشعر الجاهلي، بل هي “القرآن الكريم”.
لماذا القرآن الكريم تحديداً؟
• لأنه نص ثابت وموثوق يقيناً لا يستطيع أحد الشك في توثيقه أو صحة انتسابه لزمانه.
• لأنه يعكس العقل الجاهلي بدقة؛ فالقرآن الكريم وهو يخاطب الكفار والمشركين في مكة والمدينة، كان ينزل محاججاً لهم في عقائدهم، وعاداتهم، وأخلاقهم، وصراعاتهم المالية والاجتماعية. كما أن صورة الجاهلية في القرآن تُظهر العربَ الجاهليين كأمة على قدر كبير من الذكاء، والتنعم، والاتصال بالثقافات المجاورة (كالفارسية والرومية)، ولديها ديانات وأفكار دينية معقدة، وليسوا مجرد بدو جُهّال يسكنون الصحراء القاحلة ويعيشون في عزلة كاملة كما يصورهم الشعر المنتحل!
البرهان اللغوي: العِرْق واللغة (القحطانية والعدنانية)
ليدعم طه حسين رأيه في انتحال الشعر، يقدم دليلاً لغوياً وتاريخياً قاطعاً يتعلق بنشأة اللغة العربية واختلاف أصولها. ويقسم قدماء العرب التاريخ العربي إلى جنسين ولغتين مختلفتين تماماً:
• عرب الجنوب (القحطانية / الحميريون): ولهم لغتهم الخاصة (اللغة الحميرية) وقواعدها وألفاظها وضمائرها واشتقاقاتها، وهي تختلف عن العربية الفصحى اختلافاً كبيراً.
• عرب الشمال (العدنانية / عرب حجاز وقريش): وهم أصحاب اللغة العربية الفصحى التي نزل بها القرآن الكريم.
والمفارقة النقدية هنا أننا حسب طه حسين نجد الرواة يروون لنا أشعاراً كثيرة منسوبة لشعراء يمنيين قحطانيين من الجنوب عاشوا في الجاهلية (مثل أرباب اليمن أو شعراء حمير)، والغريب أن هذه الأشعار مكتوبة بلغة قرشية عدنانية فصيحة تماماً، خالية من أي أثر للغة الحميرية الجنوبية! يسأل طه حسين استنكارياً: كيف يمكن لشاعر حميري لا يعرف لغة قريش أن يقول شعراً بلسان قريش وقواعدها وقافيتها قبل ظهور الإسلام وقبل توحد العرب تحت راية القرآن؟
والنتيجة هنا عند العميد: أن هذا دليل قاطع على أن هذه الأشعار صُنعت ونُظمت بعد الإسلام باللغة الفصحى التي سادت البلاد، ثم نُسبت زيفاً لشعراء جاهليين من الجنوب!
في الحلقة القادمة (الحلقة الثانية)
سنغوص في “أسباب انتحال الشعر الجاهلي”؛ ما الذي دفع الرواة والقبائل والسياسيين في العصر الإسلامي والأموي والعباسي إلى اختلاق آلاف الأبيات المنسوبة للجاهليين؟ وما دور السياسة، والدين، والقُصّاص، والشعوبية في هذه الجريمة الأدبية؟





