
• تقرير: محمد ياسين الخرساني
بين الأول والحادي عشر من سبتمبر 2026، شهد الساحل الغربي لليمن أحداثاً عسكرية دراماتيكية قلبت الموازين رأساً على عقب. لم تكن الهزيمة السريعة التي تعرضت لها قوات طارق صالح نتيجة معركة واحدة حاسمة أو خيانة مفاجئة كما روجت بعض الأوساط، بل كانت عبارة عن انهيار متسلسل لشبكة دفاعية معقدة.
كيف تحول نجاح تكتيكي محدود لقوات طارق (المقاومة الوطنية) إلى انتكاسة استراتيجية انتهت بوصول قوات صنعاء العسكرية (أنصار الله) إلى أهم الممرات المائية في العالم؟
لفهم سير المعارك، يجب النظر إلى جبهة الساحل الغربي ليس كشريط ساحلي فقط، بل كمنظومة مرتبطة عضوياً بالعمق الجبلي في محافظة تعز. شملت مسارح العمليات قطاعين رئيسيين:
• العمق الجبلي والطرق الرابطة: وتضم مناطق مقبنة، الكدحة، البرح، الوازعية، وموزع، بالإضافة إلى محور خالد بن الوليد ومفرق المخا.
• السهل الساحلي: ويمتد من حيس شمالاً، مروراً بالخوخة والمخا، وصولاً إلى ذباب ومضيق باب المندب جنوباً.
لم تكن المعركة ساحلية خالصة؛ فأي ضغط على المرتفعات الجبلية (مقبنة والكدحة) كان ينعكس مباشرة على أمن خطوط الإمداد والطرق المؤدية إلى الساحل.
بدأت المعركة فعلياً قبل الهجوم الواسع، حيث شهد يوما 1 و2 سبتمبر تصعيداً ميدانياً وعسكرياً من قبل قوات (أنصار الله)، تمثل في هجمات بالطائرات المسيّرة واشتباكات في مقبنة والكدحة غرب تعز، في محاولة لاختبار متانة منظومة الدفاع. وفي 3 سبتمبر، انطلق الهجوم الكبير والمتزامن، مستخدماً الصواريخ والمسيّرات وهجمات المشاة.
صمدت قوات طارق في البداية، بل وحققت في 5 سبتمبر تقدماً تكتيكياً مهماً في جبهة “حيس” متجهة نحو “الجراحي”. لكن هذا الانتصار كان بمثابة “فخ عملياتي”؛ إذ اندفعت القوات خارج خطوطها الدفاعية الثابتة لتشكل “بروزاً” في السهل الساحلي، بينما تركت ظهرها وعمقها الشرقي الجبلي غير مستقر وتحت ضغط مستمر. بين 6 و8 سبتمبر، واصلت قوات (أنصار الله) ضغطها المزدوج على الجبال وطريق تعز-المخا، مما جعل القوات المتقدمة في حيس عرضة لخطر العزل.
تُعد جغرافية “معسكر خالد بن الوليد” و”مفرق المخا” و”الوازعية” بمثابة العقدة الشوكية التي تربط الجبال بالساحل. في 9 سبتمبر، مثّل وصول التعزيزات لقوات صنعاء العسكرية وشن هجوم واسع نقطة التحول القاتلة.
تمكنت قوات (أنصار الله) من اختراق وإسقاط هذه العقد الحيوية. لم يكن سقوط معسكر خالد مجرد خسارة لمنشأة عسكرية، بل أدى إلى قطع شريان الاتصال بين القوات المتواجدة في الجنوب والعمق الشرقي. هذا الاختراق حوّل الموقف من “تراجع متفرق” إلى خطر استراتيجي يهدد بعزل قوات طارق صالح بالكامل، ما أجبرها على بدء عمليات انسحاب اضطرارية من حيس والخوخة لتفادي التطويق.
لماذا سقطت قوات طارق صالح والقوات المشتركة؟
لم تحتاج قوات (أنصار الله) إلى تدمير كل وحدات قوات طارق صالح لتنتصر، بل اكتفت بتفكيك “الشبكة” التي تجعل هذه القوات قادرة على دعم بعضها. ويمكن تلخيص أسباب وكيفية الانهيار في النقاط التالية:
• تمزق القيادة وتعدد المحاور: لم يكن الساحل يدار بجيش واحد، بل بفسيفساء من (المقاومة الوطنية، العمالقة، درع الوطن، محور تعز، والمقاومة التهامية) لكل منها هياكلها وسلاسل قيادتها المنفصلة. هذا التعدد جعل الاستجابة للهجمات بطيئة ومعقدة بل ومتضاربة أحياناً، وعجزت القيادة عن بناء خط بديل بسرعة توازي سرعة الانهيار.
• تكتيكات قوات صنعاء العسكرية (السرعة والتركيز): تميز الهجوم بالضغط المتزامن على الجبال والساحل لإجبار القوات على تشتيت قوتها. وبمجرد حدوث اختراق (كما في مفرق المخا)، تم استثماره بسرعة فائقة لتعميق الجراح دون الحاجة للتنسيق المعقد بين سلاسل قيادة مختلفة.
• العجز عن التحول لحرب المناورة: فشلت المنظومة الدفاعية لقوات طارق صالح المصممة للحرب الثابتة، في التأقلم مع متطلبات “حرب المناورة السريعة”. ولم يثبت وجود خيانة أو أوامر خارجية بالتسليم، بل أثبت أنه كان “فشلاً منظومياً” بحتاً.
بعد انهيار خطوط الدفاع الأمامية وعقدة الاتصال، تراجعت القوات المنسحبة من حيس والخوخة جنوباً، مما جعل مدينة المخا نقطة التجميع الرئيسية لقوات طارق صالح، والهدف الرئيسي لقوات (أنصار الله) في آن واحد.
في 10 سبتمبر، انهار مركز الثقل الساحلي بسقوط مدينة المخا، ومعها فقدت قوات طارق (المقاومة الوطنية) مركزها العملياتي واللوجستي، وبات لزاماً على القوات الانسحاب جنوباً باتجاه ذباب لإنشاء مركز قيادة بديل. لكن قوات صنعاء تحركت جنوباً بسرعة تفوق قدرة قوات طارق صالح على بناء خطوط دفاعية جديدة.
وفي 11 سبتمبر، توّجت قوات (أنصار الله) هجومها بالوصول إلى سواحل ذباب وجزيرة ميون (بريم)، مجبرين قوات طارق صالح على الانسحاب من الجزيرة. هذا الوصول لم يكن نتيجة معركة جديدة، بل كان استثماراً سريعاً لانهيار بدأ قبل أيام، ليضع (أنصار الله) موطئ قدم مباشر يتحكم بالمدخل اليمني لمضيق باب المندب.
لم تقتصر الخسائر على الخرائط العسكرية، بل امتدت لتشمل المدنيين. فقد ترافق هذا الانهيار السريع مع موجات نزوح واسعة. وتحدثت تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية عن فرار أعداد كبيرة من السكان من تعز وجنوب الحديدة ومناطق الساحل، هرباً من تحول مناطقهم فجأة من جبهات ثابتة إلى ساحات لحرب مناورة سريعة وعنيفة، مما ضاعف الضغط على الطرق والمناطق المستقبلة للنازحين.





