
- بقلم: منصور السروري
في مطلع تاريخ الأغنية العربية الحديثة، تتراءى أسماء كعلامات فارقة في ترسيخ هوية نغمية مستقلة تنبض بروح الشرق ودفء الجبال.
وحين يقترن اسم السيدة فيروز باسم الملحن العبقري فيلمون وهبي، فإننا نقف أمام حالة نادرة من التواطؤ الجمالي والوجداني الذي يصعب تكراره.
قبل الغوص في ثنايا هذه المقالة أود التنبيه أن هذه المادة لا تتناول السيرة الإبداعية لشيخ الملحنين فيلمون وهبي، وإنما هي محصورة على ثنائيته مع السيدة فيروز.
***
لم تكن هذه الثنائية مجرد تعاون عابر بين صوت استثنائي وملحن محترف، بل كانت صياغة جديدة لشكل الإحساس الفني العفوي الذي يلامس أرواح البشر بلا تكلف أو استعراض.
لقد استطاع فيلمون وهبي، بما يحمله من بساطة فطرية وعمق شعبي، أن يقتحم الحصون الكبرى للموسيقى العربية ليقدم لفيروز قالباً فريداً يختلف جذرياً عن ملحمية الألحان الرحبانية الكبرى.
في هذا المقال، نسبر أغوار هذه التجربة الاستثنائية، متتبعين جذورها، وسماتها الفنية الفريدة، ومواقفها الإنسانية، وتفاصيل الحكايات التي خطّها كتاب كبار مثل فارس يواكيم وخطيب بدلة، لنرسم لوحة متكاملة لثنائية خلدها الزمان.
لقد وُلد فيلمون وهبي في بلدة كفرشيما سنة 1918، تلك البقعة اللبنانية الساحرة التي أنجبت الأدباء والشعراء والفنانين، وظلت طينتها العذبة حاضرة في كل لحن دندن به طوال حياته.
في كفرشيما، ترعرع الصبي على حب الأرض والطبيعة والناس، وتشبّع بروحها البلدية السمحاء التي انعكست بوضوح تام على طابعه الفني والشخصي.
لقد بدأ فيلمون حياته المهنية منشداً، حيث اعتُمِد مغنياً في الإذاعة اللبنانية سنة 1937 وهو في التاسعة عشرة من عمره المزدهر بالمواهب.
وفي السنة ذاتها، سافر إلى فلسطين وكان يغني في ملاهٍ ومسارح فلسطينية متعددة، ويمشي على الأقدام إلى يافا ليسجل أغانيه في إذاعة الشرق الأدنى، كما يوثق ذلك بدقة الكاتب والباحث فارس يواكيم.
ولكنه بعد سنوات طويلة من التجريب، شعر بأن طريق الغناء وعرٌ وشاق في وجود نجوم كبار وعمالقة من وزن محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش.
حينها، أدرك بحدس الفنان الحقيقي أن درب التلحين أسهل وأرحب، خصوصاً وهو يملك في داخله موهبة فطرية فياضة ومفرطة الصدق.
وكانت أغنية “على مهلك يا مسافر” باكورة ألحانه الخالدة التي أعلنت عن ميلاد ملحن استثنائي من نوع خاص.
ومن ألحانه المبكرة أيضاً أغنية “يا با قلبي ما ادري إيش بي” التي أنشدتها ببراعة الفنانة نجاح سلام.
ثم ما لبث فيلمون وهبي أن أصبح في مطلع خمسينيات القرن الماضي عضواً بارزاً في مجموعة الملحنين الكبار الذين وضعوا الأسس الأولى للأغنية اللبنانية الحديثة إلى جانب الأخوين رحباني وزكي ناصيف وتوفيق الباشا وحليم الرومي.
***
لم تسنح لفيلمون الفرصة لدراسة الموسيقى الأكاديمية في الكونسرفاتوار، ولم يتعلم كتابة النوتة الموسيقية قط في حياته كلها.
لكنه عوّض ذلك النقص التقني بفضل موهبته الفطرية العميقة والفريدة التي جعلته يبدع الألحان الجميلة السهلة الممتعة التي يستوعبها الجمهور البسيط من أول استماع ولا يلبث أن يرددها بلهفة وعفوية.
كان يعزف على آلة العود لكنه لم يكن محسوباً أبداً في قائمة عازفي العود البارعين أو المحترفين.
كان يلحن بالدندنة الخالصة وبنقر أصابعه على الطاولة الخشبية، وحين يولد اللحن الصافي في ذهنه، يعزفه على العود البسيط ويسجله.
كان أولاده قد اشتروا له آلة تسجيل صغيرة ودرّبوه بحرص على استخدامها، لكنه كثيراً ما كان يستنجد بهم طلباً للعون التقني في مواقف طريفة تعكس بساطته المطلقة.
وكان يسلّم اللحن الخام إلى الأخوين رحباني، وهما يقومان بمهمة تدوين النوتة الموسيقية والتوزيع الأوركسترالي بدقة بالغة.
ومثل هذه المهمة قام بها آخرون في مراحل لاحقة ومنهم الموسيقار سليم سحاب، وفيلمون وهبي عندما لحن لفيروز قرابة 29 أغنية بعضها فقدت في أرشيف الإذاعة، و25 أغنية موجودة في عدد من الألبومات، والمسرحيات والافلام وتعد من روائع أغاني فيروز الخالدة التي جاءت من خارج الإطار الرحباني الصارم تسعة أغاني من نظم الشاعر الكبير جوزف حرب، وتقريبا 14 أغنية من كلمات الأخوين الرحباني، وأغنية يا رايح من كلمات طلال حيدر.
لقد كان فيلمون وهبي فناناً متعدد الأبعاد، فهو ليس مجرد ملحن عادي، بل كان ممثلاً بارعاً وصاحب أغانٍ نقدية ساخرة لا تُنسى في الذاكرة الشعبية.
من هزلياته الغنائية الشهيرة التي نظمها ولحّنها وغنّاها بنفسه نذكر: “سنفرلو ع السانفريان”، و”كشوا الدجاج من قدام البيت”، و”بسيطة”، و”عندك بستان يا سعدى” التي غنتها صباح أيضاً بأسلوبها المرح.
ومن أدواره الكوميدية الخالدة: شخصية “سبع” في الدويتو الرائع مع منصور الرحباني والمعروف باسم “سبع ومخول”.
وقد أُنتج العديد من هذه الاسكتشات الخفيفة في حلقات إذاعية وتلفزيونية متعددة لاقت صدى واسعاً ومحبوبة جماهيرية جارفة.
***
كما تألق فيلمون الممثل الكوميدي في مسرحيات الأخوين رحباني الكبرى، وفي بعض الأعمال المسرحية التي قامت ببطولتها الشحرورة صباح.
أما ألحانه، فهي البعد الجوهري الأبرز الذي عرف النجاح الساحق ونال الإعجاب العارم منذ إذاعتها للمرة الأولى عبر الأثير.
لقد أدّى ألحانه أشهر نجوم الغناء في العالم العربي دون استثناء.
نذكر على سبيل المثال لا الحصر: “يا أمي طلّ من الطاقة” بصوت صباح، و”برهوم حاكيني” بصوت نجاح سلام، و”بتروح لك مشوار” بصوت وديع الصافي، و”يا هلا بالضيف” بصوت سميرة توفيق، و”هدّوني هدّوني” بصوت نصري شمس الدين.
إلى جانب باقة أسطورية كبرى ومذهلة من أغاني السيدة فيروز الخالدة التي شكّلت وجدان أجيال متعاقبة.
وحين نتأمل بعمق تجربة فيروز مع شيخ الملحنين فيلمون وهبي، نجد أننا أمام تزاوج فريد ومذهل بين البساطة الفطرية والعمق الصوتي الساحر، وهو ما أسهب في تحليله الكاتب خطيب بدلة في إضاءاته المستفيضة على السيرة الرحبانية الفيروزية.
لقد كتب الأخوان رحباني وجوزف حرب قصائد وأغاني راسخة في وجدان الأمة، وأسندوا عملية تلحينها كاملة إلى فيلمون، فخرجت تحف فنية حية تنبض بالنبض الإنساني الخالص.
من هذه الدرر الخالدة التي غنتها فيروز من ألحان فيلمون نتذكر:
_ يا مرسال المراسيل:
أغنية تتنفس الشوق واللوعة، ترسم بكلماتها وألحانها حكاية الانتظار على عتبات البيوت في القرى اللبنانية تستمع إليها وكأنك تشاهد الحبيبة، وهي فوق داير البيت تصنع منديلاً بيديها، والإسوارة، وتراها وهي تحيك إسمه عليه بخيطان السنّارة من خيوط زرقاء وحمراء، وأغاني الصبيان السمر، وكيف صاغت بدموعها الكتيبة قصة العمر.
وتكاد تتخيلها وهي تضغط على الزر وتثقب إصبعها وتمص الدم النازل منها، وتشاهدها وهي تسلم المنديل لحامل المراسيل كي يوصله لحبيبها، وتشرح له العنوان “بيته بأخر اللبيوت قدامه عليه” ولا تنسى وهي توصيه لا تنسى أن توكد عليه بضرورة أن لا يعود إلا ومعه من حبيبها ” تذكار.. شي ورقة وشي صورة” وأن يكتب لها على الورقة أشعار.
_ طيري يا طياره: عمل يعج بالحيوية والبهجة، يمنح المستمع شعوراً بالتحليق المطلق نحو آفاق الطفولة والحرية.
_ فايق يا هوى: تحفة غنائية تفيض بالرومانسية الناعمة، تتناغم فيها لغة العشق العفوي مع الجملة اللحنية الهادئة.
_ ورقو الأصفر: أغنية مسكونة بشجن الخريف وحنين الفراق، تلخص بساطة الطبيعة وعمق التأثر الإنساني.
_ أسوارة العروس: أنشودة وجدانية تنبض بعزة الأرض اللبنانية وعبق الجذور، بصياغة لحنية تتسم بالأصالة.
_ ليلية بترجع يا ليل: لحن درامي وعميق ينقل أحاسيس السهر والانتظار وسط ليالي الجبل الموحشة والجميلة في آن معاً.
_ البواب: لوحة غنائية حية تجسد حكايات الشارع والناس بظرف عفوي وصدق فني لا مثيل له.
_ أسامينا: ترنيمة خالدة تتأمل في أسرار الوجوه والذكريات التي تخلفها الأيام في الذاكرة الشعبية.
_ يا ريت منن: أغنية تعبر عن التمني والحنين الجارف للبساطة الأولى ولحظات الصفاء القديمة.
وأغاني أخرى مثل”بليل وشتي”، و”لما ع الباب”، و”طلعلي البكي”، و”جايب لي سلام”، و”أنا خوفي”، و”يادارة دوري فينا”، و”كتبنا”، و”عالطاحونة”، و”يا كرم العلالي”، و”صيف يا صيف”، و”من عز النوم”، و”بكرم اللولو”، و”على جسر اللوزية”، ويا رايح صوب مشرق.
***
وحتى لا أنسى هنا من الأحرى الوقوف أمام أغنية فيروز يا رايح صوب مشرق.
إن قصيدة “يا رايح صوب مشرق
ليست مجرد كلمات أُلفت على عجل، بل وُلدت في أتون ليلة قاسية ــ من ليالي الإجتياح الإسرائيلي لبيروت (6 يونيو/حزيران – 29 سبتمبر 1982) ــ داخل قبو مظلم، وتحت وطأة أصوات الطائرات وقصفها المرعب، كان ثلاثة من عمالقة الفن والثقافة يجلسون معاً هم (الشاعر طلال حيدر، والموسيقار فيلمون وهبي، والفنان زياد الرحباني).
كان الخوف يملأ المكان، والدموع تكاد تسبق الكلمات، حين صرخ فيلمون وهبي متحدياً جحيم الحرب بجملته الخالدة:
_ ما فينا نهزمهم بدموعنا.. بس فينا نهزمهم بفرحنا..!
في تلك اللحظة الاستثنائية، ووسط ركام الدمار، اشتعلت روح الإبداع؛ فارتجل طلال حيدر الكلمات الساحرة، وارتجل فيلمون وهبي اللحن على عوده، وسجلها زياد الرحباني على جهاز كاسيت صغير.
نعم عندما داهمت الشاعر وحشة ليل الحرب والعتمة قرر أن يهرب بروحه من جحيم المدينة المحاصرة إلى صفاء الريف والذاكرة فنادى الراعي (الذي يمثّل هنا رمز الأصالة وحارس الطبيعة والهدوء) قائلاً:
يا راعي القصب مبحوح.. جايي عبالي شروقي
قلّو للقصب ما يبوح.. بالسرّ اللي بعروقي
وإن ضعنا سوا بهالليل.. خلّي صوتك مسموعي
لقد شبه الشاعر صوت الراعي وصوت قصب النهر بـ “البحّة” النابعة من التعب، ويطلب منه أن يكتم أسرار عشقه وشوقه.
وفي عتمة ذلك الليل الطويل (الذي يرمز للحرب)، يرجو الشاعر من الراعي أن يبقى صوته مسموعاً لئلا يضيعا معاً في هذا الضياع الكبير.
وألقى على صديقيه داخل الغرفة هذه الكلمات التي مثلت مطلعاً لقصيدة، وقبل أن يبدأ فيلمون بتلحينها على العود أحضر زياد مسجلاً كاسيت وسجل لحن المطلع.
وأثناء ما كان فيلمون يدندن باللحن يواصل الشاعر وهو يحدق ببصره ووجدانه نحو الأفق، موجهاً نداءه صوب “المشرق”؛ بحثاً عن الدفء والربيع الذي سرقته الحرب مازجاً وجع الغياب بتفاصيل الطبيعة وكأنه يتخيل كيف أن ألم الفراق قد غرس عشبه في أضلاعه:
يا رايح صوب مشرّق.. شرق ما بو ربيعي
راحوا يرعوا غنمهِن.. والعشب فوق ضلوعي
وإيام الْـ غابُن ولفي.. لعدُّن عَ صابيعي
وعتّم علينا يا ليل.. وضيعي يا حلوة ضيعي.
بهذه الأبيات كان الشاعر يحصي أيام غياب حبيبه على أصابع يديه من شدة الشوق وطول الانتظار.
ومع اشتداد العتمة، يصل إلى لحظة تسليم مريرة لضياع ملامح المكان والضيعة الهادئة تحت وطأة الدمار، وكأن الضياع أصبح قدراً لا مفر منه.
يلقي الأبيات على صديقيه فيفتح زياد الرحباني المسجلة ويسجل صوت فيلمون وهبي وهو يترنم بتلحين الأبيات بينما ذهب الشاعر يختم الحكاية واصفاً الحالة الصوفية التي تفصله عن واقع الحرب القاسي؛ فهو بين اليقظة والمنام، بين العقل والذهول، يشهد لحظة الخلاص والانفراج فيقول:
قالولي إنّي عشقان.. واني مش داري بحالي
بين الصاحي والغفيان.. لمحت خيالك قبالي
كان الصبح شنّو بان.. وأدان الصبح عالي
ونازل من صوبُن مرسال.. ومن عيني نزلوا دموعي
حين يلوح خيال الحبيب، ويهلل الصبح بانبلاج نوره ويرتفع صوت الأذان معلناً النجاة وبقاء الحياة، تنفرج كربة الليل.
وهنا عندما تنزل الدموع من عيني الشاعر لا تنزل كدموع يأس، بل دموع الفرح والتحرر بعد طول عذاب.. تماماً كما أرادها الإثنان فيلمون وهبي وطلال حيدر: انتصاراً للحياة والفرح على آلات الموت.
انتهت الليلة، وذهب كل من الثلاثة إلى شؤنهم، ومرت السنوات والسنوات ليرحل فيلمون وهبي في 5 اكتوبر 1985، وبعد عشر سنوات بأحد أيام عام 1992 تقف يد زياد على الكاسيت، وما أن استمع إليه حتى تذكره وطار إلى والدته عارضاً عليها هذا الكنز الثمين، ولم تنفرط الأيام من حين عثر عليه زياد حتى نزل ألبوم يحمل عنوان القصيدة (يا رايح صوب مشرق).
***
إن أغلب مضامين وموضوعات هذه الأغاني العذبة عندما تستمع إليها تحس وكأنك تعيش قصة أنت جزء فيها، وإن لم تكن جزءًا فيها، فهي ليست غريبة عنك، وأنت ترتبط معها بتفاصيل تحن إليها كالطبيعة الساحرة والقرية العابرة للقرية اللبنانية كقريتك مثلاً.
أغاني مكثفة بالأشواق، والحنين الدائم للأحبة الغائبين، والوجد والتعلق العمييق بالأرض والجنوب، والبساطة اليومية الرومانسية التي تعيد الإنسان إلى جذوره الأولى.
إن ما يميز ألحان فيلمون أنها تفوح دائماً بالنكهة الشعبية البلدية الخالصة والمستمدة بصدق من روح الموروث اللبناني الأصيل كالمواويل والعتوبة والتقاسيم البلدية.
وكذلك تمتاز بأنها بعيدة كل البعد عن التعقيد الأوركسترالي، تجدها متكئة على جملة لحنية دافئة ومباشرة تسكن القلب مباشرة دون استئذان أو حواجز معقدة.
وعلى صعيد المقارنة الفنية بين هذه الثنائية وتجربة فيروز مع الأخوين رحباني، تتكشف لنا ملامح جوهرية تستحق التوقف الطويل.
فإذا كانت ألحان عاصي ومنصور رحباني تميل غالباً نحو الطابع الملحمي، والدراما المسرحية الكبرى، والتوزيعات الأوركسترالية الضخمة التي تصور صراع التاريخ وبوابات الممالك العتيقة، فإن ألحان فيلمون وهبي كانت تأخذ المستمع في رحلة عكسية نحو الداخل الإنساني البسيط.
هي رحلة تحت ظلال السنديان، وعلى عتبات البيوت الحجرية، وفي شوارع القرى الصغيرة حيث ينتظر العشاق تحت المطر.
لم يكن فيلمون يبحث عن الاستعراض الصوتي المعقد بقدر ما كان يبحث عن الصدق المطلق والنغمة التي يستطيع فلاح بسيط في الحقل أن يطرب لها ويرددها بصوته العفوي وهو يحصد قمحه.
وهذا الاختلاف المحمود هو الذي خلق التوازن العجيب في مسيرة فيروز الفنية، وجعل صوتها قادراً على التحليق في فضاءات المسارح الكبرى وفي الوقت ذاته النزول بحنان بالغ إلى بيوت الفقراء والبسطاء.
***
ويُحكى في كواليس الفن اللبناني العريق أن الأخوين رحباني كانا يحرصان أشد الحرص على أن توجد أغنية أو اغنيتان من ألحان فيلمون وهبي في كل ألبوم جديد لفيروز أو في عدد من مسرحياتها وأفلامها الخالدة.
لم يكن هذا الحرص مجرد مجاملة اجتماعية، بل كان إقراراً واثقاً بأن ألحان فيلمون تمثل “الملح” الحقيقي الذي يعطي الأغنية طعمها الشعبي الفريد والمحبب.
وكثيراً ما كان عاصي ومنصور يستشيران أمهما الفاضلة بعد كل عمل فني جديد عن رأيها وبصمتها الخاصة في اختيار الأعمال.
فكانت تتوقف ملياً مستمتعة بالأغاني المعروضة، ثم تقول ببساطة وحكمة بالغة: “هذه الغنية وهيك هي الافضل”.
وإذا بتلك الأغاني المختارة بعناية فائقة تطلع دائماً من تحت أيدي فيلمون وهبي الساحرة، لتثبت حدس الأم الصادق وذكاء الأخوين رحباني في قراءة نبض الجمهور الحقيقي.
***
لم تكن حياة فيلمون وهبي مجرد نغم عذب وموسيقى خالصة، بل كانت حبلى بالمواقف الإنسانية والطرائف التي وثقها ببراعة الكاتب فارس يواكيم، والتي تعكس سرعة بديهته وظرفه الفريد الذي لا يُغلب.
من ذلك ما حدث في صيف عام 1976 حين كان الكاتب يحتسي القهوة مع أبو عماد في صالون فندق الشرق أوريانت بالاس بدمشق العتيقة.
أطلّ صديقه أبو نمر صاحب محطة البنزين مستعجلاً ليطلب من فيلمون اللحاق به بحجة أن سيارته مركونة في مكان ممنوع الوقوف فيه.
لبّى فيلمون النداء الإنساني السريع وأسرع خارجاً معه دون أن يدري أبداً أنها بداية رحلة صيد طويلة لم تكن في الحسبان.
وعندما عاد أواخر الليل، وجدت زوجة فيلمون وابنته ألحان ساهرتين في الصالون حزينتين تقلقان لاختفائه المفاجئ.
وحين أخبرهم فارس يواكيم أنه ذهب مع أبو نمر في رحلة عارضة، هتفت زوجته متنفّسة الصعداء بابتسامة خبيثة: “إذاً هو راح إلى الصيد”.
وفعلاً عاد فيلمون مع بزوغ فجر اليوم التالي بعد رحلة صيد ممتعة نسي تماماً فيها أن يخبر أهله أو يعود في الوقت المناسب.
لقد كان الصيد شغفاً راسخاً في قلبه الكبير إلى جانب التلحين والأداء التمثيلي الساخر.
وكان يتردد بانتظام على سورية منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي حباً عميقاً بالبلد والناس ودفء المجالس.
وهذا العشق السوري الأصيل أثاره أحياناً حسد الحاقدين ومروجي الشائعات السخيفة التي زعمت يوماً وبكل سخافة أنه رجل مخابرات سورية بدرجة عميل.
لكن الحقيقة الساطعة التي عرفها المقربون منه هي أن زياراته المتكررة كانت محصورة تماماً بمتعة الصيد ومجالس السخرية والطرائف مع المسؤولين والزوار دون أي دخل للسياسة في جلساته الطيبة.
وظل فيلمون ضيف الشام الدائم طوال عهود متعاقبة من حكم حسني الزعيم وحتى عهد حافظ الأسد، واقفاً بمحبة ووفاء أصيل للشعب السوري الشقيق.
وفي محطات حياته الوطنية والإنسانية الكبرى، كان فيلمون صاحب مواقف مشهودة وشجاعة لا تراجع فيها.
فحين وقعت محاولة الانقلاب الفاشلة ضد حكم الرئيس اللبناني فؤاد شهاب في ديسمبر 1961، وطالت الاعتقالات الظالمة بعض الفنانين والمثقفين والحزبيين، لم يتردد فيلمون لحظة واحدة في التوجه ليلاً إلى منزلي الصديقين الملحنين زكي ناصيف وتوفيق الباشا ليحذرهما شخصياً وينصحهما بالتواري عن الأنظار تفادياً للاعتقال الوشيك.
طغى التزامه الإنساني النبيل ومعدنه الأصيل على كل الاعتبارات الأخرى، ليؤكد للجميع أن شهامة الرجل كانت أثمن بكثير من أي خوف شخصي.
***
أما على صعيد ظرفه العجيب وسرعة بديهته الحاضرة أبداً، فحدث ولا حرج.
فحين مرّ ذات يوم بطفل صغير ربطته أُمّه المتمردة إلى سور الحديقة المنخفض عقاباً له على المشاغبة المستمرة، فاستنجد به الطفل ببراءة، قام فيلمون بحل وثاقه ومضى بهدوء.
وحين عاتبته الأم لاحقاً في ساحة البلدة عتاباً لطيفاً قائلة بابتسامة لائمة: “ولو يا أبو عماد! هيك بتفك حبل الصبي؟!” علق ببساطته المعهودة وسخرية لسانه العذبة: “أنا بفكّ مشانيق ما بدك ياني فكّ صبي”.
وفي موقف آخر طريف في العاصمة الفرنسية باريس، حين انهالت سيدة لبنانية مخملية بمديح طويل وعريض باللغة الفرنسية، وهو يستمع بصمت ويجيبها باختصار شديد وبلهجة لبنانية صميمة، لتطلق في النهاية عبارة وداع طويلة وتمتد يدها لسلام الوداع، فما كان منه إلا أن نطق بكلمة فرنسية واحدة بكل برود وهي “فريجيدير”، تاركاً إياها في حالة من الذهول التام بينما استغرقت رفقته في قهقهات عميقة لا تنتهي.
***
هكذا عاش الفنان العبقري الذي أطرب الملايين بألحانه الخالدة وزرع البسمات الطاهرة الصادقة في وجوه الناس.
وقضى الأشهر الأخيرة من عمره الطويل بصمت وألم نبيل وهو يصارع الداء الخبيث، إلى أن توفي يوم الخامس من نوفمبر سنة 1985 عن عمر ناهز السابعة والستين عاماً.
رحل أبو عماد تاركاً خلفه إرثاً خالداً من الجمال والموسيقى والوفاء الفني الذي لا يغيب، ومخلداً في صفحات كتابات باحثين كبار مثل فارس يواكيم وخطيب بدلة.
وستظل ثنائيته مع فيروز شاهداً أبدياً على أن الفن الحقيقي هو ذلك الذي ينبت من تربة الأرض الطيبة ويحط بهدوء ودفء في أرواحنا المتعبة.
***
في ختام مقالتي هذه أخلص إلى القول:
لم يكن الرحيل الأبدي لشيخ الملحنين فيلمون وهبي ليطفئ شيئاً من وميض نغماته بالقدر الذي أضاف إلى ألحانه مسحة من الخلود الأزلي.
لقد ترك فيلمون وهبي ورأسه مرفوع بتاريخ ينبض بالعفوية والصدق، وبصمة فنية راسخة في جدار الأغنية العربية وفيروزياتها الخالدة.
سيره على نغمات البساطة والفطرة جعله ملحناً لا يغادر الذاكرة، ورمْزاً لفن ينحاز للناس، وللأرض، وللجمال الباقي أبداً مهما تباعدت الأزمان.




