- كتب: عبدالحكيم الفقيه
الورقة الخامسة عشرة
مع اتساع نطاق المعارف اتسع نطاق الشعر، فمثلا كانت السونيتا الايطالية قصيدة محتكرة من الغناء والحب لقرون وجاء ميلتون ووسع مواضيعها من الحب الى السياسة والدين والتأملات. وكذلك الشعراء الميتافيزيقيون ادخلوا الفلك وعلم النجوم وعلم اللاهوت والجغرافيا ضمن بنيان قصائدهم شكلا ومحتوى، ومع مجيء حداثة القرن العشرين تم بعث التاريخ والأساطير من مرقدهما ليصبحا كائنات حية تمشيان في سكة الشعر وتزاحمت الذاتية والموضوعية في بنيان الشعر، ولا يمكن نسيان دور الثورة الرومنسية التي أثرت فيها الثورة الصناعية واتساع المدن وشعارات الثورة الفرنسية حيث خلقت الرومنسية تغييرا عالميا في مبنى ومعنى الشعر وشكل المعجم الشعري الرومنسي قاعدة انطلق منها الشاعر الواقعي المعاصر الذي وظف اللغة اليومية والبساطة في رص مداميك القصيدة.
وكانت الفلسفة رفيقة الشعر منذ البدء والاشتراك في خاصية التساؤل والدهشة والتأمل في مظاهر الكون وغوامضه واعتبر الشعر فلسفة رقيقة واعتبرت الفلسفة شعرا خشنا وما القصيدة إلا حلم ورؤية وتساؤل يسلط الضوء على الخفي من كوامن الحياة وغوامضها. والشعر العربي لا يختلف في مواضيعه وتطوره عبر الأحقاب من شعر بقية الأمم.
وكان الشاعر في العصور الأموية والعباسية ذا رؤية فلسفية في تأملاته وطروحاته الشعرية، وراهنا كما استطاعت التقنية في تغيير العالم وتوحيده الى قرية كونية لم تعد هناك فجوات وتباينات بين شعر الأمم ومراحله ومدارسه وخصاله، فاذا كانت المصالح والحروب والاقتصاد والاسواق تمزق العالم فقد ظل الشعر عنوانا بارزا لتوحيد بني البشر والتعبير عنهم بتوق إلى السلام والتسامح والتعايش وحب الحياة والطبيعة والكائنات.
***
تتبع غدا الورقة السادسة عشرة.





