ADVERTISEMENT
بيس هورايزونس
  • الرئيسية
  • أخبار
    • قضايا انسانية
    • اقتصاد
    • أخبار الفن
    • أخبار السلام
    • أخبار الرياضية
    • رياضة
    • سياسة
    • مفاهيم
    • التكنولوجيا
    • الصحة
    • منظمات مدنية
    • ثقافة
      • نصوص
  • منوعات
  • مقالات
  • من نحن
  • اتصل بنا
No Result
View All Result
  • Setup menu at Appearance » Menus and assign menu to Top Bar Navigation
  • الرئيسية
  • أخبار
    • قضايا انسانية
    • اقتصاد
    • أخبار الفن
    • أخبار السلام
    • أخبار الرياضية
    • رياضة
    • سياسة
    • مفاهيم
    • التكنولوجيا
    • الصحة
    • منظمات مدنية
    • ثقافة
      • نصوص
  • منوعات
  • مقالات
  • من نحن
  • اتصل بنا
الإثنين, أكتوبر 26, 2026
  • الرئيسية
  • أخبار
    • قضايا انسانية
    • اقتصاد
    • أخبار الفن
    • أخبار السلام
    • أخبار الرياضية
    • رياضة
    • سياسة
    • مفاهيم
    • التكنولوجيا
    • الصحة
    • منظمات مدنية
    • ثقافة
      • نصوص
  • منوعات
  • مقالات
  • من نحن
  • اتصل بنا
No Result
View All Result
بيس هورايزونس
No Result
View All Result

قلنا: إدفع الأُچرة..! [1]

by بيس هورايزونس
26 أكتوبر، 2026
ADVERTISEMENT
Share on FacebookShare on Twitter
  • بقلم: منصور السروري

جولة تعز.. هكذا قال السائق “عمر الجحش” عندما أوقف تاكسي البيچو الذي يقوده:
_ هذه جولة تعز يا عم سليمان.. من هنا اركب مع أي باص “عكبار”(2) ـ وأشار له بموقف الباصات والحافلات المتجهة إلى شارع الدائري ـ وقل له نزلني بجولة الصافية.
ارتجل الحاج سليمان من البيچو واستقل باصاً صغيراً كما دله عمر الجحش.

•••

يهتز الباص الصغير على وقع حركة السير الهادئة.
تبدأ قطرات المطر الصغيرة والمتباعدة تتناثر بخفة فوق زجاج المركبات.
يترك وراءه طمأنينة السهول ليتلقفه صخب عاصمة أثقلتها هموم اليوم المعتاد.

•••

أثناء ما كانت عجلات الباص تشرب الإسفلت ببطء راح يتلفت من خلف زجاج النافذة يمنة ويسرة.
يحاول التأكد ما إذا كانت بعض المعالم التي يعرفها جيداً ما تزال على حالها تقاوم التداعي والتلاشي.
يهمس في صدره:
_ هذا سوق عنس… هذا مطعم ومقهى الشيباني المشهور بالفول والشاي العدني.. وهذا المجمع الغذائي.. هنا لم يعد مجمع عذبان موجوداً.. بقالة أولاد محمد محسن الصلوي ما شاء الله ما تزال موجودة ـ يحرك رأسه ولسانه يلهج أصلاً عياله رجال ـ أما هذه السائلة فقد تغيرت، والجسر الذي فوقها أيضاً قد تغير، وهذا الحراج لم يكن موجوداً.. وقبله كانت توجد مجموعة مناشير للأحجار ـ ترى إلى أين انتقلت..؟ ـ وحتى ورشة عبده الصغير السامعي للسمكرة والرنج يبدو أنها انتقلت هي الأخرى.. وهذا المبنى أتذكر أنه كان مقر أمانة العاصمة والآن مكتوب على واجهته المستشفى الأهلي.. هنا كان يوجد مطعم الرعوي والآن صار محلاً للأثاث.
يتوقف الباص قبل ركن الجولة.
يرتجل منه وبيده كيس رسائل بعض أهل القرية.
وقبل أن يحدد وجهة خطواته التالية يتطلع ببصره ناحية المحلات المتاخمة لجولة الصافية.
كانت واجهاتها ما تزال على حالها لم يصبها أي تغير ما عدا ركنين بالجولة؛ الأول الذي يبدأ من أمامه الشارع الذي يتجه إلى سلاح المهندسين صار فيه مطعم لم يكن موجوداً، وكانت محله منجرة أخشاب، والركن الثاني تغيرت واجهته فصارت صيدلية جديدة بعد أن كانت استوديو اسمه استوديو الجزيرة للتصوير يمتلكه الحاج أحمد عبد الجبار صاحب قرية دعان بالأعبوس.
يستغرب مندهشاً كيف اختفى ذلك الاستوديو الذي التقط فيه صورته المعلقة على جدار مجلسه بالقرية والوحيدة بالبدلة والكرافتة قبل ربع قرن.
أما بقية واجهات المحلات بالجولة فقد كانت كما هي عبارة عن بقالات للمواد التموينية، وبجوارها بدا له أنه لم يطرأ أي تغير أو تقدم لمطعم حمود السامعي، ومكتبة القباطي، وبوفية قائد صالح صاحب فوفلة فأبوابها كانت ما تزال على هيئتها التي رآها قبل إحدى عشرة سنة.
ما أن حمل كيس الرسائل وذاكرته العتيقة بهدوء حتى بدأت قطرات المطر تتساقط ثقيلة عليه، فأطلق ساقيه لمسابقتها وشرع يحث الخطى في أحد الشوارع المتفرعة من شارع الدائري باتجاه حارة العُصيمي.

•••

وهو يسير في الشارع شرعت المآذن ترفع أذان صلاة العشاء، ليتسرب النداء الخاشع بهدوء يغسل واجهات البيوت المبللة.
المطر أخذ يزداد غزارة ومعه تتابع تلألؤات البرق، تاركةً خطوطاً خاطفة من النور الأبيض على جنبات الطريق المظلم.
يعقب كل لمعة دوي قاصفة رعدية تهز أصواتها سكون الليل وتطرق باب الحارة المنسية.
يخترق الحاج سليمان الحارة من الشارع الترابي يحث الخطى ويمعن السير، وتتعثر خطواته الحذرة فوق تربة الدرب المبتلة.
يبحث عن علامات قديمة يحتفظ بها في ذاكرته قد تهديه إلى العنوان القديم للمكان الذي يقصده إذ ثمة تغييرات كثيرة كانت قد طرأت تتراكم في صدره العتيق بين أزقة العاصمة المتبدلة.
تتجاذبه الخواطر، فتتصارع في صدره شكوك القادم من سكون الحقول مع يقين الذاكرة المتعبة:
“لقد كان هذا الشارع مسفلتاً.. أما الآن فقد صار كما يبدو فاقداً سفلته الغابرة.. ؟
هل أخطأ في العنوان.. ؟
لا.. لا.. فالدكاكين هي نفسها الدكاكين وإذاً فإن المكان الذي يريده يقع قبل نهاية هذا الشارع.”

•••

الشارع خالٍ من المارة إلا من سيارة تمر بين الفينة والأخرى، تخترق عجلات المركبة عتمة الليل مخلفة صوتاً رتيباً يضاعف من وحشة المكان.
سليمان يسير جوار الجدران الخارجية للمنازل وأبواب الدكاكين المحاذية للشارع الترابي الممنوعة من رصيف يساعد على السير بسهولة.. كلما يخطو بضعة خطوات لا يلبث إلا أن يتوقف ليتأكد من أن أرضية الشارع صلبة ولم تتشرب بعد بمياه أسطح المنازل المنصرفة عبر «المساريب»(3) مختبراً ببطء وتوجس قسوة الأرض تحت وطأة الرذاذ.
تنطفأ الكهرباء فجأة ومعها يتوقف سليمان من السير ليغرق المكان في ظلام بهيمي مطبق يعزل العجوز عن دربه.
المطر ينهمر ينهمر.. ولمعان البرق يزداد يزداد.. لم يعد بوسعه غير الالتجاء إلى أقرب شرفة لـ”الإكتنان”(4) من المطر والمياه المنسكبة من مسارب المنازل.. خاصة وأن الكيس الذي يحمله يحتوي على رسائل من القرية قد تتعرض للبلل والتلف.

•••

اختَار إحدى شرفات المنازل المناسبة وقبع تحتها لاتقاء المطر.
مكث يراقب الشارع الذي لم يعد يراه تماماً سوى عند إضاءة البرق، وكأن ومضات السماء هي النافذة الوحيدة المتبقية له في هذا الليل العابس.
وإذا ما رأى شيئاً منه فقد صار شارعاً خالياً من أية ملامح تؤكد من أنه شارع، فقد كان الماء الذي يغمره يجرف كل شيء.
تلتمع إضاءة البرق فلا يرى إلا قواريراً قواريراً تتصادم مع علب فارغة من شتى الأحجام والأشكال والأنواع، وألوان مختلفة من علاقيات متنوعة صغيرة وكبيرة تتلاطم في لُجج السيل، وقطع كراتين متمزقة متناثرة تسبح طافية فوق سطح الماء الأغبر ذي الرغوات المتفرقة على جنبات الشارع.
ينظر في ساعته.. فلا يتمكن من قراءة الوقت في عتمة الساعات المبتلة.
يخرج «الولاعة»، يحاول إشعالها.. إلا أنه يفشل وتذهب محاولاته عبثاً فقد كانت متشبعة بماء المطر.
استمر المطر مدة غير قصيرة بالإنهمار ليزيد من ثقل اللحظة ووحدتها.
يخرج كومة القات التي كانت بفمه ويلقيها فوق ماء الشارع، ثم يسحب قارورة ماء شملان من الجيب الجانبي لكوته المبلل وتوا يمتص قليلاً من الماء فيتمضمض ببقايا القات، ويمجه فوق ماء الشارع.
يكرر المضمضة لكنه هذه المرة يبتلعها ظناً منه أنها ستزيد من طاقته، وعلى نحو لا إرادي يعيد القارورة إلى جيبه كما أخذها.
يستخرج إصبع سيجارة.. يحاول إشعالها.. لكن دون جدوى فقد كانت متشبعة بالماء.
يلف رأسه ووجهه بـ«الغترة» محتمياً بنسيجها الرقيق من شروع البرد يقرص قفاه وإبطيه، وعلى إثر قرصاته القاسية شرعت كل فراقد جسمه بالارتعاش، وأضراسه وأسنانه تصطك كإبرة ماكينة الخياطة في إيقاع مرتجف.
يتسلسل البرد لواذاً تحت ملابسه ملتفاً حول بطنه وظهره مخترقاً خصره قاصداً مفاصل بدنه، إلى حد أن كل شيء فيه قد صار يهتز يهتز تلقائياً كآلة سيارة تئن تحت اشتداد وطأة الصقيع.

•••

الشارع مظلم ممطر خالٍ إلا من بعض أناس متناثرين هنا وهناك يصارعون ريح الخريف القارسة.
ويكاد كل ما يقع عليه بصره ليس سوى السيل المتوحد مع القمامة وضوء يبزغ من فترة لأخرى خلف ستارة النافذة المواربة لمكان قيامه.
يدعو الله أن يخرجه من هذه الضائقة، فطاقته على وشك أن تخور.. وفعلاً ستخور منه إذا ما استمر المطر بالإنهمار.
تتحرك ستارة نافذة من منزل آخر بحركة بطيئة تخترق سكون العتمة، يهمس في وعيه الذي بدأ يشك في قدراته على اختزال الثقة فيه:
“سُعيْدهم.. سُعيْدَهم.. كل الذين خلف جدران هذه العمارات الآن .. أكيد كل واحد منهم يكون الساعة ضاماً زوجته.. تدفئه من هذا البرد.. على رائحة هذا البخور العدني”.
يهمس في نفسه بمرارة مشوبة بالحنين: يا سلام.. ما أجمل رائحة البخور عندما يكون الجو بارداً ممطراً، الرغبة تزداد أكثر فأكثر للدفء والسكينة.
ليتني كنت الآن عند زوجتي.. ولم آتِ إلى هذه المدينة.. «قلَّك مدينة».. القرية عندما يوقع المطر يغسلها غِسَّال.. والجو يعتدل والنفوس تهدأ وتنشرح وتطيب «قلَّك مدينة».. ها.. كيف صار الشارع خالٍ من كل مخلوق.. إلا من سيل في غاية المرض والقذارة كله قمامة في قمامة.. الله يلعن أمها مدينة.

•••

وبينا كان سليمان على تلك الحال تحت الشرفة.. تلف سيارة إلى داخل الشارع الذي يرابط فيه .. وعلى ضوء مصابيحها اشتقت العتمة إلى نصفين اثنين، وتبين داخل الشق ارتفاع خيوط المطر المتمزقة معلنة إقلاع السماء لمائها المنهمر منذ ساعتين وبغتة تتوقف السيارة أمامه.
يترجل منها شخص ذو بزة عسكرية ثم ثانٍ وثالث.. وعلى رغم حالته التي كانت أقرب إلى التجمد هرع يحييهم بصوت يحمل بقايا الدفء:
_ “حياكم الله يا فنادم”(5).
يقاطعه أحدهم بلهجة صنعاني حادة تقطع سكون اللحظة:
_ حول بك الله.. جالس ملثم وجهك.. يا قليل الحياء..!
_ كيف تقول: قليل الحياء؟.
_ قلنا بطل سيخفة وتلغوج(6).
_ كيف..؟ هيا وكيف هذه السيخفة يا ابني..؟، وما هو هذا التلغوج..؟.
ومن ذات المنزل ذي الستارة المتحركة يخرج شخص مسرع نحو الضابط وهو يشير نحوه باحثاً عن إدانة جاهزة:
_ انبرى قائلاً: هذا الشخص يا فندم هو نفسه الذي اتصلت لكم أنه جالس هنية(7) من بعد صلاة العشاء.. ومش بعيد هو نفسه الذي سرق أمس منزل الحج حسين والليل رجع يشتي يسرق بقية الأثاث.
يقاطعه سليمان بصوت يرتجف قلقاً وحيرة:
_ “يا أخي.. يا ابني أغضب الشيطان الذي يُقَرِأَكَ(8).. أكيد في لبس.. أنا ما وصلت المدينة إلا من ساعتين فقط.. وداخل هذا الكيس رسائل من القرية.. حتى شوفوا”
وفتح كيسه بأصابع متجمدة غير أن الشخص ذا البزة العسكرية أصدر قراره الحاسم لمرافقيه:
_ بزوا أبوه(9) فوق الطقم.

•••

اقتيد إلى غرفة الضابط المستلم وسط ذهوله وتمزق ظنونه:
_ “أخيراً يا فندم أمسكنا السارق اللي أتعبنا ودوخنا.
_ أين وجدتموه؟
_ بجوار المنزل الذي سرق أمس.
_ مش معقول.
_ والله جوار منزل الحج حسين”.
حدق الضابط نحوه بعينين مرتابتين، وقبل أن يتكلم سبقهم سليمان بالحديث وبنبرة مترجية تفيض حسرة:
_ يا الله تخارجنا من هذه الورطة، من قال لـ أمي اطلع للمدينة، قد أنا جالس بعد ثوري بالقرية، قلت أطلع أتذوه وأغير جو(10).. الآن هنئت قد الخُبرة(11) طلعوني سارق.. يا فندم شوف هذا الكيس فيه براءتي الله يحفظك.. بداخله الفطير واللحوح والجلجل والسمن والحلاوة والجبن كلها هدايا من البلاد ورسائل.. حتى اتفرج.. ولو سمحت تتصل لي على هذا الرقم لتتأكد منه، أين أعيش؟ فإذا قال: إنني في القرية.. قل له إنني محجوز عندكم في القسم”.

•••

حضر صهيره الذي كان يمتلك مخبزاً، ومعه عاقل الحارة العُصيمي.. وأكد للضابط المستلم أن عمه سليمان لا يأتي إلى المدينة إلا نادراً، وبذلك أكد عاقل الحارة.
أطلق سليمان من غرفة الحجز، وبعد أن صافح صهره معانقاً انبرى يقول بمرارة ساخرة:
_ شوف كيف يا صهير أمسيت من فقر ليلة سارق وزاني وحلَّاف.
تعالت ضحكات خافتة من الضابط وسليمان وصهره، والعاقل، وبعض أفراد الأمن لتكسر صقيع المكان..
سأله الضابط بفضول مخفف:
_ كيف..؟
أجاب سليمان بنبرة حكواتي يصارع همومه:
_ هذه قصة طويلة يا فندم لعلي ابن زايد.. أقصد أن حالي بعد 11 سنة من زيارتي لصنعاء أصبحت مثل الحكيم الذي صار في نظر زوجاته سارقاً، وزانياً وحلَّافاً.
_ آيش(12) قصدك نحن نساء..؟
يقطع عاقل الحارة كلام الضابط بنبرة استدراك سريعة:
_ لا تفهمش غلط يا فندم… كل ما في الأمر أن الحاج سليمان يقصد أنكم اتهمتموه بتهم باطلة.. الرَّجال أثناء ما زاد المطر وهو بالشارع لجأ إلى تحت بلكونة بيت على شان يتقي المطر.
وهنا يتدخل صهره مكملاً بتوضيح مشفق:
_ يا فندم في القرية إذا اشتد المطر وكان في واحد تحته يدخل أقرب بيت أو يختار ساتر أي بيت ينضوي تحته حتى ينتهي المطر، وهذا ما عمله عمي سليمان.
يواصل عاقل الحارة مؤكداً:
_ هذا بالضبط ما حصل.. الحاج سليمان جلس ببراءة تحت البلكونة ينتظر انتهاء المطر.
الحاج سليمان مردداً بصدق:
_ أي والله هذه الحقيقة.
وبعد نقاش طويل وأخذ ورد اقتنع الضابط بنواياه البريئة، وأنه سيكون من العيب أن يدفع رجلاً ثمن البراءة ليس إيداعه سجن قسم الشرطة بل البقاء وقتاً إضافياً بمناقشة هذا الأمر.. لهذا نظر إليهم وقال بابتسامة فاترة:
_ يا الله حصل خير..!
وحين استعدوا للانصراف وضعت “مدرة”(13) تغتلي بالفول وسط رائحة شهية تبدد غبار التوتر.. فهتف عسكري طامع:
_ “يا خبير(14) مادمت هكذا بريء كان صُب.. صب جليل سمن بلدي من تيه(15) القارورة”.
ولكي يثبت كرمه الأصيل لم يتراجع سليمان في إخراج قارورة السمن وظل يصب منها بعد مصارعة طويلة مع القارورة من أثر التجمد كما أعطى العسكري بضعة فطائر من الدخن والذرة.
أما اللحوح فكما يبدو كان قد تعرض للماء أثناء مروره تحت “المسرب” جوار المنزل المسروق فتلف.
وعندما كانوا يهمون بالخروج والانصراف.. أصر عسكري آخر على ضرورة أن يدفعوا أجرة الطقم الذي أرسله قسم البوليس الأمر الذي أثار حفيظة سليمان مرة ثانية.. فانبرى يقول باحتجاج حانق:
_ يا فندم هذا عيب عيب.. تقبضوا علي بالخطأ وتطالبوني بأجرة الطقم.. يا فندم هذه مهمتكم.
فيقاطعه نفس العسكري بفظاظة:
_ “يا خبير انا بطل حقك الفلسفة.. والله ما تخطى خطوة خارج القسم إلا من بعد ما تدفع أجرتنا وخرجة الطقم إن عاد يحولها خيبلة هيا ما عاد نرجع نلعب”.
وعندما صمت العسكري غضباً أعقبه سليمان بالقول بلا مهادنة:
_ “تشتي الصدق.. المفروض الذي يجب أن يدفع هو من اتصل لك”.
ويقاطعه نفس العسكري مهدداً:
_ “ما بش(16) هنية مفروض وغير مفروض قلنا إدفع الأجرة.. يعني إدفع وإلا على كيفك باتبات(17) الليلة معانا وغدوة بنرحلك للنيابة العامة”.
يتدخل صهره في الحوار الدائر بين العسكري وسليمان محاولاً نزع فتيل الأزمة لكنه وجه سؤاله لتغيير دفة الحوار إلى الضابط المستلم:
_ “كيف يا فندم تشوف..؟”.
كسر الفندم الفطيرة بيدي متعبة ثم غمس الكسرة في فول المدرة الثائرة.. وقبل أن يلتهمها رد عليهما بصوت حاسم:
_ “خلاص أعطوه أي حاجة.. العساكر حقنا مساكين يرحموا الله.. وبعدين قد خرجوا بين المطر يعني انتم وكرمكم”.
أراد سليمان أن يعرِّف له ما هو مفهوم الكرم الرفيع.. بيد أن صهره ضغط على ذراع ساعده بحذر وقال مجشتاً:
_ “خلاص يا عم سليمان اسكت”.
ثم أخرج من جيبه ورقتين من فئة الألف ريال، ومد بها للعسكري مرغماً:
_ هذا فقط الذي في جيبي ولو كان عندي أكثر لزدت.
اندفع العسكري جشعاً يقول:
_ “ممكن نبعث معك واحد عسكري على شان تكمل له الأُچرة”.
بيد أن الضابط زجره بحزم:
_ خلاص يكفي خذوا الحاصل إكراماً للعم سليمان اعتبروه ضيف عندنا.

•••

عقب مغادرة الثلاثة سليمان وصهره، وعاقل الحارة حوش قسم الشرطة وما أن صاروا في عتمة الشارع حتى قال سليمان والحسرة تأكل جوارحه:
_ معقول يا صهير أن أجرة العكفي(18) بعد كل هذه العقود من عمر الجمهورية ما تزال موجودة عندكم في صنعاء عاصمة البلاد..؟
يجتر نهدة حارة من أعماقه المرتهنة ويردف بسؤال آخر يثقل شجونه:
_ متى سيأتي اليوم الذي لا نرى فيه مثل- هؤلاء الهمج..؟
لا أعتقد أنه مكتوب علينا أن نرى أمثال هؤلاء العكفة في حياتنا جيلا بعد جيل.
وهم يستقلون السيارة صوب المنزل عبر الشوارع المبللة قال عاقل الحارة بأسى مخنوق:
_ إيه إيه.. يا حاچ سليمان.. التغيير بعيد بعيد علينا.
وبينما كانت السيارة منطلقة تقطع رذاذ الليل المتبقي انبرى صوت الفنان علي عبد الله السمه من اذاعة صنعاء الشجية وكأنه يغني لأوجاعهم ويجيب على أسئلة الحاج سليمان المعلقة:
يا قافلة عاد المراحل طوال، وعاد وجه الليل عابس.



هوامش

[1] نشرت القصة عام 2007 بصحيفة النهار أثناء ما كان الفقيد عبد الإله القُدْسي مراجعاً لغوياً للصحيفة ومسؤولاً عن الصفحة الثقافية.
(2) عكبار: “عكابر” هو اسم عامي يُطلق على الفأر (وعند الجمع عكابر أي فئران). ويشبه اليمنيون الباصات الصغيرة (مثل سوزوكي أو ديهاتسو) بها، فيقولون باص “عكبار” أي حافلة صغيرة تستوعب خمسة أو ستة ركاب فقط لسرعتها وصغر حجمها.
(3) المسارب: الأنابيب أو المجاذيب المخصصة لتصريف مياه الأمطار من أسطح المنازل.
(4) الإكتنان: الاحتماء والالتجاء للوقاية من المطر أو سوء الطقس.
(5) فنادم: جمع فندم، وتطلق محلياً كلقب احترام للضباط والعسكريين.
(6) سيخفة وتلغوج: يقصد بها السخافة والهزل، والقول غير المفيد، أو الكلام العبثي غير المفهوم.
(7) هنية: هنا، أو في هذا المكان بالقرب مني.
(8) أغضب الشيطان الذي يُقَرِأَكَ: مفردة (يُقَرِأَكَ) عامية وتعني بالفصحى يوسوس لك.
(9) بزو: خذوا واحبسوا.
(10) أتذوه وأغير جو: أستمتع بالهواء والترويح عن النفس.
(11) الخُبرة: المعارف أو الأصدقاء والأقارب.
(12) آيش: ماذا، أو أي شيء.
(13) المدرة: إناء أو قِدر فخاري صغير يُطبخ فيه الطعام (مثل الفول).
(14) يا خبير: كلمة مناداة شعبية دارجة تعني يا صديقي أو يا رجل.
(15) تيه: هذه.
(16) ما بش: لا يوجد.
(17) باتبات: ستبات وتنام.
(18) العكفي: الشرطي أو العسكري (تاريخياً كانت تُطلق على الجندي التابع للحكم الإمامي، واستمرت ككلمة عامية للشرطي).

Related Posts

نصوص

تراتيل للربيع والحياة

...

Read more
منصور السروري

ابتسامة الحقول الصدئة!

عبدالحكيم الفقيه

أين السلام؟

Load More

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • الرئيسية
  • أخبار
  • منوعات
  • مقالات
  • من نحن
  • اتصل بنا
الصورة
موقع إخباري يمني مستقل

© 2019 جميع الحقوق محفوظة لموقع بيس هورايزونس

No Result
View All Result
  • الرئيسية
  • أخبار
    • قضايا انسانية
    • اقتصاد
    • أخبار الفن
    • أخبار السلام
    • أخبار الرياضية
    • رياضة
    • سياسة
    • مفاهيم
    • التكنولوجيا
    • الصحة
    • منظمات مدنية
    • ثقافة
      • نصوص
  • منوعات
  • مقالات
  • من نحن
  • اتصل بنا

© 2019 جميع الحقوق محفوظة لموقع بيس هورايزونس

Login to your account below

Forgotten Password?

Fill the forms bellow to register

*By registering into our website, you agree to the Terms & Conditions and Privacy Policy.
All fields are required. Log In

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Log In
This website uses cookies. By continuing to use this website you are giving consent to cookies being used. Visit our Privacy and Cookie Policy.