- مصطفى ناجي
1
اخترت رفيقين لرحلتي على الدراجة ليومين على أن نبات في خيمة في الهواء الطلق.
كنت قد قطعت رحلة مماثلة مع الصديق عبد الله شمسان قبل أربعة أعوام والذي كان مرشداً ورفيقاً وامضينا سوياً خمسة أيام وقطعنا مسافة تقارب 150 كليو متراً في منتصف شرق فرنسا في أجمل مناطق زراعة العنب وبالطبع انتاج النبيذ في بورغونيا Bourgogne.
أما هذا المرة فقد رافقني إلياس (14 سنة بعد أيام) وإياد (12 سنة) وتركت اخاهما الثالث ينهشه فضوله ورتابة البقاء برفقة أمه في البيت دون أخويه كما اعتاد. اظنها أوقات صعبة حاول فيها ان يملأ فراغه باللعب مع اترابه في الحي ومشاهدة قصص الأطفال المفضلة لديه التي نحول دون ان يفعل لأننا نشترك بتلفاز واحد في البيت.
كنت متردداً ومتوجساً من عدم احتمالهما مشاق السفر على دراجة لنهار كامل ثم النوم في خيمة على الارض والنهوض لمواصلة المشوار. اذا عوضاً عن السفر وسط غرب فرنسا من مدينة لاروشيل وحتى نييور Niort لخمسة ايام اقتصر السفر ليومين من مدينة لاروشيل La Rochelle وحتى مدينة صغيرة اسمها ماران Marans.
كان علي قبلها ان أعِدّ دراجتين استعرتهما من جارتي بعد ان فقدت، مسروقاً، دراجتين وقبلهما ثلاث دراجات في هذه المدينة البطلة في سرقة الدراجات.
في رحلتي السابقة مع عبد الله شمسان، لم احمل هم التجهيز والتخطيط فقد كنت امضي تابعاً لرفيقي موكلاً له ملف التخطيط واختيار اماكن المبيت والتوفيق بين سرعة خطانا والوقت اللازم لبلوع مخيمات المبيت واللحاق بالمحلات لشراء الطعام او اغتنام أوقات المطاعم. بينما في هذه الرحلة التي بلغت سبعين كيلو مترا فقط حملت اغراضي وهم الطريق.
انطلقنا قبيل الظهر بعد ان جهزت الدراجة بحامل الحقائب وركبته على عجل مستفيدا من تجربة البارحة المضنية والفاشلة.
انطلقنا من البيت ومررنا على سوبر ماركت ناخذ منه زاد الرحلة من ماء وعصاير وبعض فواكه وقبل هذا كنت قد شريت خيمة خفيفة وفرش يستعملها الرياضيون لمدها على الأرض وشريت غرف هواء (تيوب) احتياطا بمقاسين مختلفين وظننت ان في الباكت الواحد اثنين وتفاجأت بعدها انه واحد فقط. واصلنا السير نحو مركز المدينة حتى نبدأ من ميناء المدينة حيث مصب القناة قرب مستشفى المدينة ونصعد شمالا.
2
عند المستشفى قررنا ان نأخذ غدانا من كبابجي جزائري اسمه نور الدين يدير، وحيداً، محلاً عرضه مترين وطوله مترين. تعرفت على نور الدين قبل شهور قليلة عندما كان لدي طفل نزيل في المستشفى.
نور الدين شخصية فريدة. وهو من النوع الذي فيما لو احتملت اول دقيقتين من الحديث معه ستصبح صديقه لكن من غير اليسير احتمال هاتين الدقيقتين.
متوسط الطول. بوجه مستطيل حليق الذقن وبدأت الصلعة تزحف على ناصية رأسه لكنه محتفظ بشعر طويل متعرج ينساب على جانبيه.
باختصار، نور الدين رجل يحب الفخر. وكل مرة أمر عليه أجده يحكي لي او لغيري ذات القصة. فهو أقدم عربي في المدينة ووصلها قبل 35 سنة حينما كانت الحياة شديدة والمعارك بالسواطير مع المخمورين العنصريين هواة رياضة الروغبي شديدي البنية.
يبيع نور الدين بضاعته بسعر أغلى من غيره ويشدّد على انها طرية ولحمه لحم ماعز. وبلغة حادة يقول لك من البداية: اذا كنت لا تحب لحم الماعز فلا تشتر مني.
في اول مرة كانت خيارات الحصول على غداء محدودة واضطررت الى سماع قصته وتفاخره بنفسه وبجزائريته وقصص كثيرة. واخذت الساندويتش وانصرفت. بالفعل كان طعامه مميزاً.
عدت اليه مرات عديدة وسحبت معي إلياس الذي تعجّب من شخصيته قائلا: انه شخص فريد. يبدو انه غير مؤهل للامساك بمقصف.
في أحد المرات وجدت عنده افريقي من توغو يغلب نور الدين مفاخرة وكلٌ يقسم بما استطاع انه سبق الأول في المدينة. حسبتهما سيتعاركان. لكن نور الدين منح صديقه القديم بطاقة الشراء من متجر الجملة.
3
سرنا في الذهاب بمحاذاة قناة رمبساي canal de Rompsay
او قناة ماران (بحسب موقع المتحدث) وهي قناة بدأ العمل في حفرها بموجب طلب الامبراطور نابليون الاول عام 1806 لتكن مرحلة من مراحل ربط جنوب وسط بشمال وسط فرنسا عبر سلسلة قنوات.
طول القناة 24 كيلو مترا لكن انتهت اعمال الحفر والشق وبناء الجسور والاقفال المائية والانفاق وميناء ماران بعد أكثر من ثمانين عاماً.
هناك قنوات مائية عديدة في فرنسا يزيد طولها على مائتي كيلو متر وانتهت اعمال الشق في خمسة عشر سنة.
بعد ساعة ونصف توقفنا لتناول الغداء. اخرجنا الطعام وقنينتين معدنيتين فانتا. وترددنا في فتحمها واعدناهما إلى الحقيبة التي يحملها إياد.
واصلنا السير على طريق مخصص للدراجات يسير بمحاذات القناة مرة عن الشمال ومرة عن اليمين ويرتاده عشرات ومئات الدراجين. بعد نصف ساعة سير تأخر إياد لنصف دقيقة فعدنا ووجدناه قد أزال حقيبته عن ظهره بعد ان شعر بسائل بارد. سألته: ماذا حصل لك؟ أجابني: الدنيا عرفها ليمون. لنكتشف ان احدى قناني فانتا قد تسربت كاملة وبلّلت كامل ملابسنا الجافة وغيارنا لليوم التالي او في حالة مطر.
يتبع





