- بقلم: د. عبدالعزيز علوان
الفقيه الزاهد صالح سعد الصبيحي
في هذه الحلقة، نحلق جميعًا مع الأستاذ ياسر الأصبحي في آفاق التأصيل لواحد من فقهاء المعلامة، وهو الفقيه الزاهد صالح سعد الصبيحي، الذي تعلم على يديه الكثير من أبناء المنطقة منذ أن وطأت قدمه ثرى هذه البيئة المباركة.
الفقيه الزاهد صالح سعد الصبيحي.. مصباح القرآن الذي لم ينطفئ
في زمن كان الضوء فيه شحيحًا، كان هناك نور آخر يُضيء بيوت وقرى الأصابح وما جاورها؛ نور لا يأتي من الكهرباء، بل من حناجر الصغار وهم يرتلون القرآن على يد رجل وهب حياته كلها لكتاب الله.
إنه الفقيه الجليل صالح سعد الصبيحي، رحمة الله تغشاه.
ولد في قرية الشط الطويل بمديرية المضاربة عام 1892م. وما إن بلغ العاشرة حتى اتجهت قدماه الصغيرتان نحو عدن؛ هناك في جامع النور بمديرية الشيخ عثمان، جلس بين يدي علماء من الأزهر الشريف، فحفظ القرآن وتفقه في علومه، فأضاء الله صدره بنور الحفظ والإتقان.
لم يكن العلم عنده للتباهي، بل كان أمانة يحملها للناس. أخذه الشيخ شكري إلى عَبَر بني شيبة وفتح له فصلاً، فمكث هناك سنوات يغرس الحرف والآية في قلوب الأطفال. ثم جاءه عبد الرحيم الزغير الأصبحي فأخذه، بإذن من الشيخ شكري، إلى قرية معول أصابح ليكمل رسالته، فتزوج هناك، لكنها لم تكن إلا محطة قصيرة في طريق طويل.
انتقل بعدها إلى نكب العصار في ضيافة المرحوم شمسان عبد الواحد، فاستقر بها سكنًا، وجعل منها منطلقًا يتنقل منه إلى مقصورة ومساجد أديم، يعلم هنا ويقرئ هناك، لا يكل ولا يمل.
واستضافه السيد عبد الهادي السقاف وفتح له فصلاً في جامع النور بقرية الحضارم، فخرّج أجيالاً يشهد لها الجميع، وتزوج من هناك، ثم لم تستمر حياته الزوجية طويلاً لخلافات على السكن. ولم تثنه ظروف الحياة القاسية عن رسالته، فتزوج للمرة الثالثة امرأة أصبحيّة من قرية المشارع – أصابح، فأنجبت له ولدين وثلاث بنات، وكانت له السكن والأنس.
وفي آخر حياته، بنى له ابنه محمد فصلاً في قرية الذنبب – أصابح، فظل فيه معلماً ومربياً حتى آخر أنفاسه، يلقن الأطفال الفاتحة ويصحح لهم المخارج بصبر لا يعرفه إلا الزاهدون.
كان الفقيه صالح سعد يعلم الفقراء دون مقابل، إذ كان يعرف أنهم لا يملكون أجرة، فيقول: «أجرتي عند الله».
تنقل بين كتاتيب كثيرة، وعلم أجيالاً لا تحصى، ويشهد له الجميع بالخير والزهد والتواضع.
عاش زاهدًا.. لا يملك من حطام الدنيا شيئًا، ويمتلك أغلى ما فيها:
القرآن في صدره.
محبة الناس في قلبه.
ومات في عام 1983م، ولم يترك وراءه مالاً ولا عقارًا، بل ترك رسالةً ومئات الألسن التي تتلو القرآن بسببه، وتلك هي الباقية.
رحم الله الفقيه صالح سعد الصبيحي، وجعل ما علمه في ميزان حسناته، وجعل قبره نورًا كما جعل حياته نورًا لنا.
كوكبة من فقهاء مساجد أديم
الأستاذ علوان عبده فارع الأصبحي: من قرية المعاطين، وهي قرية قريبة من قريتنا، وقد درسنا في المكان الذي كان يُسمّى «ديوان روضة». رحم الله من رحلوا من المعلمين والمتعلمين، وجزاهم خيرًا على ما قدموه من عطاء في ميدان التعليم.
الفقيهة لول بنت حيدر علي كليب: من قرية الجبانة، وقد مارست التعليم في المساجد، ثم سكنت قرية الهويقة في عزلة الحضارم، وكانت تُدرّس في مسجد القرية، الذي كان يُعرف ضمن المساجد بـ «مساجد أديم».
كوكبة أخرى من فقهاء المَعْلامة في عزلة الأصابح
الفقيه محمد عبد الله رضوان القدسي
كانت مَعْلامة الفقيه محمد عبد الله رضوان القدسي في قرية الصنعة بالأصابح، وهي المَعْلامة التي تحوّلت لاحقًا إلى مدرسة ذي أصابح.
تولّى الفقيه تعليم الأطفال مبادئ القراءة والكتابة، إلى جانب التفسير المبسّط لآيات القرآن الكريم، جامعًا بين تحفيظ كتاب الله وتنمية المعارف الأولية لدى النشء، وتخرّج على يديه عشرات ممن تقلّدوا مناصب مهمة في الوظائف العامة والخاصة.
وبعد افتتاح مدرسة الفجر الجديد، عُيّن الفقيه محمد عبد الله رضوان القدسي فيها؛ في انتقال يعكس الصلة بين التعليم التقليدي الذي احتضنته المَعْلامات والتعليم النظامي الذي بدأ ينتشر في المنطقة.
وقد مثّلت تجربته إحدى الصور التي انتقل فيها المعلم من فضاء التعليم التقليدي إلى المدرسة النظامية، مستفيدًا من خبرته في تعليم الأطفال وتربيتهم.
وكذا أيضًا فقهاء المعالم:
الفقيه عبده غالب الغدرة: من قرية القحفة بالأصابح.
الفقيه عبد الله القتب: من قرية العفا بالأصابح.
وهناك أسماء ما تزال قيد الاستكشاف في الذاكرة التعليمية.
تنويه
في الحلقة السابقة، أوردتُ نصوص الرسائل التي أسهمت في إثراء الموضوع، وأضاف أصحابها ما استحضرته ذاكرتهم التعليمية، كما وصلتني، دون تدخل في صياغتها؛ لذا أعتذر عن الأخطاء الكتابية اليسيرة التي وردت فيها.
يتبع…




