- ضياف البراق
اليوم تلقّى قلبي الطيّب إهاناتٍ كثيرة من دون أي سبب؛ ولاعتي البسيطة خربت، قلمي البايلوت ضاع من جيب الشميز، قصيدة رائعة طارت من ذهني قبل أن أكتبها، رأيتُ جزمتي الوحيدة المناضلة تلفظ أنفاسها الأخيرة، مثل البلاد، تلقّيتُ نصيحةً دينية مُقرِفة من رجلٍ ثقيل الدم، تشاجرتُ مع مجنون جديد يعبر الشارع من أمامي ويقذف نحو وجهي بصاقًا أصفرَ من فمه اليابس الحزين، طلّقتْني صديقةٌ عزيزة في الواتس، شخص قذر باسم مستعار يدخل على الخاص ويهددني بالتعذيب إن لم أحذف حسابي من الفيسبوك، بيّاعُ القات الملتحي يغشّني بنوعٍ بائت كريه الرائحة والطعم، سائق الباص ينزلني في منتصف الطريق بسبب عطل في الماكينة دون أن يُرجِع لي الحساب المدفوع مقدّمًا، صاحب البقالة يطالبني بتسديد الدَّين، الماء ينقطع عن السكن، نسيتُ سيجارتي على طاولة ملوَّثة في المطعم البعيد الذي خرجتُ منه فارغَ البَطن، وزكام شديد يقتحمني من الأنف من دون سابق إنذار سادًّا مجرى التنفُّس.
وسمعتُ بالمصادفة أغنيةً محلية جديدة أو سرطانية تُدمِّر المعدة وتُفسِد الذوق، وأحزنني منظرُ طفلةٍ بريئةٍ ترتدي اللثام الأسود الكئيب، إنها تمشي في الشارع بخطى مرتجفة كأنها هاربة من نفسها ومن كل شيء، ولعنتُ الذي كسرَ جمالها، وأوجعتني زجاجةُ خمرٍ أنيقة فارغة ملقاة على الرصيف، ولعنتُ شاربها البخيل، وتذكّرتُ أن حياتي هي أيضًا زجاجة فارغة لكنها بلا رصيف لتُرمَى عليه وترتاح قليلًا.
وزحمة في الشوارع، زحمة في الباصات، زحمة في المطاعم، زحمة في المستشفيات، زحمة في المقابر، زحمة في الأسواق، زحمة أفكار في رأسي، زحمة وجوه بائسة أو منتهية الصلاحية، زحمة أصوات لا معنى لها، زحمة يا أحمد عدوية، فوضى هائلة تقتل إنسانيّتك العميقة، فتجعلك مجردَ حيوان ملقى في حظيرة قذرة.
وعدتُ لاهثًا إلى غرفتي وحلقتُ شنبي صِفرًا وأنا ضجران من الأعماق، فجرحتُني بالموس دون مبالاة وخرج النزيف مندفعًا بغزارة، وفقدتُ أكثر من ألف غِرام من وزني الضئيل وأنا أحاول بحركاتٍ سريعةٍ مسْحَ الدم بالشال الأسود الخفيف (إنه هدية غالية من حبيبة جميلة خطبها شخص آخر بعد خمس دقائق من حبنا التاريخي!)، وارتطمتُ بباب الغرفة الخشبي، ثم بباب الحمّام الذي لم يَغسلْ وجهه من سنين، وركضتُ إلى الأمام ثم إلى الوراء، وبلعتُ كمية كبيرة من غبار الغرفة، وكمية أخرى من غبار الحارة مع بعض الحشرات والحسرات، وندمتُ أشدَّ الندم لأنني حلقتُ تلك الشعرة الوحيدة في ذقني، شَعرة الأمل، وغضبتُ، ودوَّخني القلقُ المتسارع، فحاولتُ الهروب وفشلتُ، وحاولتُ النسيان وفشلتُ، وكاد الموت يجهز عليَّ إذ تذكّرتُ أستاذ التنمية البشرية العقيم، ذاك الذي كان يغثّيني بقوله لي في كل لقاء: خذ نفسًا عميقًا ثم حلّق عاليًا، كن نسرًا، كن إمّعة، ومن طلب العلا سهرَ الليالي بدون فانوس ولا كهرباء…





