- كتب: عبدالحكيم الفقيه
الورقة الثانية والعشرون
الشعر عنصر طبيعي من مكونات هذا الكون ومن المعروف أن الأطفال في سنواتهم الأولى يرون الوجود بمنظار الشاعر والشعر مكثف دون دراية عندهم، والمحسنات البديعية تدخل دون تعمد في أحاديث الناس وهذا يدل على أن الشعر مكون محسوس في حياة الناس ومناشطهم وعلائقهم ومظهر وجودي فهو انعكاس معنوي لجماليات الطبيعة المادية.
أتذكر ونحن أطفال في الريف كان الشعر يدخل في ألعابنا وسبابنا والأغنيات الشعبية الخاصة بالطفولة والإيقاع والموسيقى متغلغلة بكل بساطة واتقان رغم الدمج بين الفصيح والعامي في المفردات في السياقات الشعرية الطفولية المستخدمة، والشعر يدخل في أهازيج الزارعين وفي أفراحهم وأتراحهم من زفاف وأعياد وموت وعزاء وفي موسم البذور والحصاد والجفاف والمطر..
هذا الذي نسميه شعرا طبيعيا لعذريته وبراءته يمكننا من القول أن الطبيعة وتحورات مكوناتها تعد قصيدة قائمة بذاتها مستقلة عن تدخلات الشعراء الذين ينقلون لوحتها كالرسم الطبيعي بكلمات ذات اتساق ولعل طفولة الفكر والفلسفة الانسانية كانت تقول بأن الفنون ومنها الشعر ماهي سوى “محاكاة للطبيعة” والتي ظلت في التواتر – ولن أجازف وأقول عبر الجينوم – إلى أن جسدها عمليا وبتفصيل شعراء الرومنسية الذين ردوا الاعتبار للطبيعة وقدسوها، والشعر حين يحور ويؤنسن مظاهر الطبيعة يفلح في رسم الصورة الشعرية المتحركة والمخاطبة لكافة الحواس التي تعد – أي الصورة الشعرية- أهم عناصر الشعرية التي مهمتها استباقية للواقع المأمول والمرجو والمرتقب.
***
تتبع غدا الورقة الثالثة والعشرون.




