- كتب: سلطان عزعزي

في اصداره الشعري الخامس المعنون بـ (بيدق أسود في يد الجنرال) الصادر عن منشورات مواعيد ـ ٢٠٢٤ـ صنعاء الذي أحتوى بين دفتيه ما يقارب 30 قصيدة نثرية.. يواصل الشاعر محمد اللوزي التحليق في سماء الشعر عبر أجنحة النثر، وتاتي هذه المجموعة بعد تجربة ورحلة شعرية خاضها الشاعر اللوزي مع الكتابة الشعرية منذ مطلع التسعينات، أنجز خلالها أربع اصدارات شعرية هي: (الشباك تهتز العنكبوت يبتهج) و (إجازة جيري) و (حبة خال في ساق الفراشة) و (قهقهات الفتى الأخرس)، والشاعر محمد اللوزي الذي جمعتني به الاهتمامات الشعرية والأدبية يعد من القلائل الذين عرفتهم من شعراء ذلك الجيل الذين أستمر مبحرًا على قوارب الكتابة الشعرية يخوض غمارها دون انقطاع أو توقف.. خلافًا لعدد من أصدقائه من شعراء هذا الجيل، هذا الجيل الذي شهد موجات من عواصف وأعاصير التقلبات السياسية والحروب التي شهدها البلد.. تلك الحروب المتعددة العناوين والشعارات التي تطايرت شظاياها بكل الاتجاهات وتركت أثرها على مجمل مناحي الحياة في البلد عموديًا وأفقيًا، ولم يكن المشهد الثقافي والأدبي بمنأى عن ذلك.. لقد استطالت موجات تلك الحروب المتلاحقة.. وامتدت بأظافرها ومخالبها لتترك خدوشًا متباينة على شتى وجوه ومناحي الحياة، وخاصة على المشتغلين في المشهد الثقافي والأدبي عمومًا، وأضاف وضع البلد تحت الحصار في السنوات الأخيرة عبء اضافي. كل هذا كان لابد أن يترك ندوبه وجراحاته على جسد القصيدة ويترك النزيف يسترسل في قلب الشعراء، ويرسم شروخاته على جدران حياتهم… كونهم الفئة الأشد تحسسًا والأكثر تفاعلًا مع البعد الانساني وتأثرًا بما حولهم.. لقد مسهم الاحساس بالوجع وسكنتهم الدهشة وابتلعتهم غصص الألم ومضغهم الحزن جراء ما حدث ويحدث حولهم، وهو ما جعل بعضهم يعتزل الكتابة، ودفع بآخرون للإنزواء في منازلهم أو في أركان قرآهم القصية.. كما غيب المرض والموت آخرون.. لقد كسرت الحروب زجاج أحلاهم، وأطفأت قسوة الظروف المعيشية ما تبقى من ضوء الأمل بالإنفراح، حتى وجد البعض منهم ملاذًا في العزلة، وانشغل وانصرف البعض للبحث عن لقمة العيش، والبعض أضطر للهجرة خارج البلد بحثًا عن فرصة أو فسحة للبقاء على قيد الحياة والحلم، أما آخرون فقد أرهقهم مشقة الصعود على سلالم الشعر والحلم بحثًا عن المدينة الفاضلة في أزمنة الحروب، حيث تضاعف هذا الاحساس لدى معظمهم جراء تراجع الدور المؤسسي الثقافي واغلاق العديد من المؤسسات الثقافية والأندية والاتحادات والمجلاّت والصحف ودور النشر أبوابها التي كانت أغلبها تشكل مصدرًا وسندًا ومعينًا ماديًا وفكريًا للعديد منهم.
ان ذلك هو جزء من الصورة، فثمة من ظلوا واقفون رغم كل هذا الحطام ممسكون بأقلامهم وقلوبهم يتحسسون ضوء الشعر والكتابة، ومنهم الشاعرمحمد اللوزي.. الذي تحاول القراءة الطواف في مجموعته الشعرية الصادرة مؤخرًا: (بيدق أسود بيد الجنرال).
تنهض نصوص المجموعة الشعرية للشاعر محمد اللوزي على بنية سردية تتصف بالاقتصاد والتخفف من الاطالة والإطناب والبساطة بعيدًا عن التكلف في تركيب الجملة الشعرية.. وتنزع نحو التخلي عن الخطابة والتقليد.. إذ يبدو فيها الشاعر ملتصقًا بتجربته الكتابية الخاصة أسلوبًا ولغة.
تنتظم المجموعة في بناء نصي يمتزج فيها الخاص بالعام والذاتي بالموضوعي.. ضمن تقنية أسلوبية تتلمس طريقها لواقعها المحسوس وتجريده من المعنى الواحد، تنفتح نصوص المتن الشعري وتدور حول عدد من الانشغالات كـ الطفولة، والصداقة والحرب والحرية والغربة، وتشكلا هذه الانشغالات أرضية تتكئ عليه الرؤية الشعرية في المجموعة، وعلى مرآة النصوص في المجموعة التي تأتي كمحصلة للتأمل والتفاعل والانفعال بين الذات الشعرية وواقعها في الخارج الذي يتجلى في النصوص واقعًا يموج بالتناقضات والمفارقات مما يجعل المفارقة والسخرية هما إحدى أدوات الفنية التي يلجأ إليها الشاعر محمد اللوزي في تخصيب النص جماليًا، ويكاد موضوع الحرب يحتل حضورًا محوريًا وفاعلًا في انتاج الدلالة في معظم النصوص مركز كثافة، ويجي عنوان المجموعة كـ عتبة نصية أولى ومفتاح لبوابة المتن النصي للمجموعة وتكثيفًا دلاليًا لذلك، وتطل المفارقة عبر العنوان (بيدق أسود في يد الجنرال).. اذ أقترن في العنوان عنصري الموت والحياة.
تحاول الذات الشعرية في المجموعة اقامة جسور حوارية مع عالمها الخارجي وما يحيط بها ومايموج به من أحداث ومواقف تستدعى دهشة الشاعر حينًا، سخريته حينًا آخر، وفي ظل هذا التفاعل تستشعر باختلال الواقع من حولها.. مما يكثف شعورها بالوحدة والاغتراب واللاجدوى والعبث تجاه واقعها المختل.
وتشكل الحرب بتعدد شعاراتها في المجموعة أحد روافع هذا الشعور باختلال علاقة الذات بواقعها.. الذي معه تنكمش الذات الشعرية ويتقلص وينطفئ معه احساسها بالزمن والوقت، وفقدانها للإحساس بالجهات والأزمنة فيتساوى فيها الشمال بالجنوب والشرق بالغرب والماضي بالحاضر منذ اخترقت رصاصتها الأولى زجاج الذاكرة الشعرية.
اذا تستدعي هذه العلاقة احساسًا متموجًا في الذات تارة بالدهشة ومرة بالتناقض ومرات بالمفارقة الشعور بعدم الاكتراث والعبث واللاجدوى، ويحضر هذا الملمح في نص.. الشيخوخة: ص٨٦
لتكن الشيخوخة
من ينتظرني خلف الباب
ليكن الخراب البطيء والهلع
ليكن الشعر الأبيض
أو السير بعصاة..
ما عدت أكترث
منذ اخترقت رصاصة الحرب
زجاج ذاكرتي.. وطارت القذائف في الفضاء،
تلقي التحية على بعضها البعض، قبل اصابتها الهدف الخطأ….
ما عدت أكترث للوقت.
ليكن الوهن.. أو الأمس من ينتظرني خلف الباب
ما عدت أكترث.
كما تحضر المفارقة السياقية في نص الأرملة: ص٩٣
……..
الحقل المهمل
بلا صاحب أو فزاعة
كان أرملة
تهش الطيور
عن رمان شجرتها الوحيدة
بتربية صغار
خبأتهم في البئر
ثم أطلقتهم فزاعات
يحاصرون الفصول
ويجلبونهم إلى أرضهم
واحد بعد آخر.
كما يتضاعف ثقل احساس الذات بضغط واقعها ويدفعها بحثًا عن الحرية كقيمة مفارقة للخلاص.. نص
طائرة ورقية: ص١٣
……
من يد الطفل،
أفلت خيط الطائرة
التي بعيد انطلقت
والتحقت بسرب طيور مهاجرة
إلى قارة أخرى.
ونلحظ في نص آخر بعنوان: أحلام السجين: ص١١
……
من نافذة السجن العالية
رأى طائرة ورقية
لم تستطع الانعتاق من الوتر
وتنهد.
تتخذ المفارقة حضورها في نصوص مجموعة الشاعر اللوزي بشقيها: مفارقة لفظيّة أحيانًا وتحضر أحيانًا كـ مفارقة السياق يتعرف ويتلمس دلالته القارئ للنص من خلال سياق النص، وقد تحضر في نصوص أخرى كـ: مفارقة لفظية كما في نص الشمال هذا: ص٧٢
………
لم يحدث ان صار الشمال جنوبًا
والجنوب.. شمال إلا مع الجنرال
الجنرال الذي حالفه النصر
حين أخطأ قراءة الخارطة.
……..
ان الشعور بالاختلال في علاقة الذات بما حولها نلحظها أيضا في نص الأصدقاء فالصداقة بماهي إحساس بوجود سندًا آمنًا ومعينًا على تخطي طرق الحياة.. يتحول إلى باعث للقلق أمام الذات وإلى فخ وكمين يبعث على السخرية منها والتهكم عليها.. كما في نص الأصدقاء: ص٨٨
…
الأصدقاء
الذين وضعهم القدر
في طريقي
لم يكونوا غير افخاخ محكمة
بعناية نصبهم القدر
وبمتواليات هندسية تموضعوا
ألغامًا على طول الطريق.
وفي نص آخر تغدو الحرب قصفًا للأحلام: ص٨٨
في البلدة سين
حيث لا جسور
ولا طرق سريعة تختصر الوقت
لم تجد الطائرات ما تقصفه
غير كومة أحلامنا الكبيرة.




