- ضياف البراق
دخلوا من الباب المغلق، حابسين أنفاسهم، منتشرين بخطورة دقيقة، ولحسن حظي أنهم لم يغلقوا عليَّ هذه النوافذ المفتوحة. شكرًا أيها النسيان. هي بالطبع نافذة واحدة لا أكثر، وغالبًا لا أحتاجها. اختنقَ المكانُ كله بهم. لم أعد أرى حتى أصابعي. فجأةً يرتطم وجهي بضجة مُتخيَّلة، أو حقيقية إلى حدٍّ ما. ارتطامات كثيرة ستحدث هنا، وقد تتكرر إلى الأبد. هذه المساحة المربّعة الصغيرة، لا تكفي لتصفية الحسابات المجهولة، أو الغريبة، ولا تحتمل السب والشتم وتبادُل اللكمات والركلات. هؤلاء لا أعرفهم أبدًا، من أين دخلوا؟ لماذا وكيف؟ كثرة الأسئلة تعني العبثية. حياتي اللعينة لا تحتمل المزيد من القاذورات القاتلة. اشتعل الحريقُ وسط العتمة العميقة، كاد يلتهمنا جميعًا. بل حرائق لكنها خمدت بسرعة عجيبة. هرب بعضهم إلى الخارج. بقيتُ حيث أنا، بل هربت إلى الزاوية المقابلة لهم، مُختبِئًا بين ظلال نفسي المثقلة بالخوف. لحظات الخوف، ما أقساها من لحظات! هكذا أيضًا لحظات الصمت الباردة. بدأ الصياح في الداخل، صياحات شديدة لا معنى لها، ولا يسمعها من في الخارج. لم أحرّك لساني بكلمة. وربما شعرتُ أن عضوًا لعينًا ومُهِمًّا قد سقط أو فلت من سيطرتي إلى الأبد. لا مشكلة، فسأرتاح على الأقل من لعبة التبول والاستمناء، اللعبة التي تلتهم الكثيرَ من عمري دون فائدة. رميتُ أحدهم بطاولة صغيرة، ثقيلة الوزن، كَسرتُ بها أنفَه بالتأكيد، لكنه لم يصرخ، حقير مُكابِر! المهم الآن، بالنسبة لي، تكسير وخلع هذه الأنوف الحقيرة التي تطاولت على حياتي، أو على مجدي، بمنهجية الغدر. وحطّمتُ جمجمةَ الآخر بمنفضة السجائر الحجرية، رشقته بها، لكنه، كصاحبه، لم يصرخ. على ما أظن لم تتضرّر المنفضة كثيرًا، ومع ذلك أشعر بالحزن الشديد لحالها. ولذلك اشتدّ غضبي عليهم أكثر، وأخيرًا سحقتُهم تمامًا، تخلّصتُ منهم جميعًا. ومن المستحيل أن يعودوا إلى هذا المكان، وإليَّ بالذات، بعد هذه الهزيمة الساحقة. كل هذا كان كابوسًا لا يُطاق، زعزع نومي كله، حتى قفَّزَني مذعورًا من تحت البطانية، ولمْ أجِدْ نصرًا لأحتفي به، ولا حتى نفسي لأقول لها كالعادة: صباح الخير، أو مساء العافية، أو عليكِ اللعنة يا كلبة!



