
في تاريخ الأعمال اليمنية والشركات العائلية ثمة أسماء تُشكل علامات فارقة صاغت ملامح الريادة وأسست لمفهوم الشراكة عابرة القارات، وفي صدارة هذه الأسماء يبرز اسم الفقيد الراحل الحاج أبو بكر عمر أحمد بازرعة.. الرجل الذي استطاع بعزيمته ورؤيته أن يحول نشاطه التجاري إلى مؤسسة استثمارية راسخة تعبر العقود وتتوارثها الأجيال.
البداية:
في النصف الأول من القرن العشرين، وفي مدينة عدن (مسقط رأسه عام 1930) التي كانت تعج بالحركة والنماء بموانئها المفتوحة على العالم وتجارتها التي تزدهر يومًا بعد آخر، يَمّمَ الحاج أبوبكر وجهه شطر الفرص المستقبلية متخذًا من تجارة السيارات نقطة انطلاق.. على الرغم من أن هذا القطاع حينها كان سوقًا شديد التنافس تسوده العلامات الأوروبية والأمريكية، الأمر الذي يتطلب شجاعة استثمارية ورؤية نافذة وصبرًا ومثابرة فنية. ومن هناك أسس “المركز التجاري للسيارات والمركبات”.. النواة الأولى التي وُلدت منها لاحقًا “مجموعة بازرعة التجارية” لتسهم في وضع اللبنة الأولى لتأسيس قطاع السيارات الحديثة في البلاد عمومًا.
من عدن إلى كوكب اليابان:
في خمسينيات القرن الماضي وبينما كانت الصناعة اليابانية تخطو خطواتها الأولى نحو الأسواق العالمية تستكشف آفاقًا جديدة لمنتجاتها، اتجه الحاج أبو بكر بنظره شرقًا ليدشن في عام 1956 إحدى أهم المحطات في تاريخ المجموعة برسم ملامح العلاقة التجارية مع شركة “تويوتا” اليابانية (Toyota Motor Sales) كأول وكيل رسمي لها في الشرق الأوسط واليمن، فضلاً عن كونه أول من أدخل سيارات “لكزس” الفاخرة للأسواق اليمنية. وكانت تلك الخطوة الجريئة بداية المسار الذي تحول مع مرور العقود من مجرد وكالة لاستيراد عدّة سيارات إلى شراكة متينة امتدت لنحو سبعة عقود، غرس خلالها ثقافة النزاهة وخدمة العملاء، حتى أصبح اسم “بازرعة” في الذاكرة اليمنية مرادفًا لعلامة “تويوتا” في قصة نجاح تجاوزت الحدود وألغت الفوارق الجغرافية بين عدن وطوكيو.
وقد تكللت هذه المسيرة بمحطة استثنائية في عام 2014 حين حظي بتكريم رفيع من الحكومة اليابانية تقديرًا لدوره الاستثنائي في تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين اليمن واليابان.. ذلك التكريم الذي كان رسالة تقدير عالمية لرجل استطاع من مقره في اليمن أن يبني شراكة وثيقة ومستدامة مع واحدة من أكبر القوى الصناعية في العالم، سفيراً اقتصادياً ورجلاً بحجم وطن سخر الاقتصاد لخدمة الإنسان وبناء المدارس والمراكز الصحية ورعاية الطلاب، ليعيش للتجارة ويموت للناس.
الرحيل:
في يوم الخميس 17 يوليو 2025 (الموافق 22 محرم 1447هـ)، وتحديدًا بالعاصمة الأردنية عمّان، أُسدل الستار على رحلة الفقيد عن عمر ناهز 95 عامًا، بعد مسيرة طويلة حافلة بالعطاء التجاري والاستثماري والحضور الفاعل في مجالات العمل الخيري والإنساني.
نعم، لقد رحل المؤسس الذي نقش اسمه بحروف من نور في ذاكرة الاقتصاد الوطني، لكنه ترك خلفه مدرسة ناصعة في ريادة الأعمال والتواضع والمسؤولية المجتمعية، وإرثًا ملهمًا يؤكد أن الكبار لا يكتفون ببناء الثروات فحسب، إنما يصنعون الأثر الحقيقي الذي يمتد ويبقى عبر العقود.
انتقال الراية:
في المحصلة.. تتجلى القيمة الحقيقية لإرث “بازرعة” كنموذج يمني ملهم لنجاح الشركات العائلية وحيويتها؛ إذ لم تسقط الراية برحيل المؤسس، وإنما انتقلت بسلاسة واقتدار إلى الأجيال التالية لتوسيع هذا البناء وترسيخ استثماراته.. حيث واصل الجيل الثاني (عبد الناصر، وأحمد، وعيدروس) قيادة السفينة بنفس القيم والمبادئ، ليقود اليوم الأستاذ أحمد أبو بكر بازرعة، رئيس المجموعة، هذا التمدد بالأعمال بثقة نحو آفاق أكثر اتساعًا وتنوعًا.. ليبقى اسم “بازرعة” حيًا في كل نجاح جديد، مؤكدًا أن الرواد العظام يرحلون بأجسادهم فقط، أما مآثرهم فتبقى شواهد خافقة في ذاكرة الوطن والإنسان.





