


- عيبان محمد السامعي
تشهد فرنسا، منذ منتصف سبتمبر الماضي، موجة احتجاجات شعبية واسعة، بدأت بمطالب طلابية، ثم توسعت لتشمل طبقات وفئات اجتماعية ومهنية وسياسية متعددة، في مؤشر على اتساع دائرة الفئات المتضررة من السياسات النيوليبرالية التي تنتهجها الحكومة الحالية.
بدأت الاحتجاجات بحراك طلابي رافض لتدهور الخدمات التعليمية، واكتظاظ الفصول الدراسية، ونقص المعلمين، وتدهور المباني والتجهيزات المدرسية. وسرعان ما انضم إليهم المعلمون والنقابات التعليمية، ثم النقابات والاتحادات العمالية التي رفعت مطالب تتعلق بزيادة الأجور والمعاشات التقاعدية، وتحسين ظروف العمل، وتخفيض أسعار المواد الاستهلاكية، والتنديد بالسياسات التقشفية التي تنتهجها الحكومة.
كما انضم إلى الاحتجاجات نشطاء حركة “السترات الصفراء”، وهي الحركة الاحتجاجية التي برزت في 2018، إلى جانب المتقاعدين والمزارعين والممرضين ورجال الإطفاء وناشطين بيئيين وحقوقيين.
هذه المشاركة الواسعة من الفئات والطبقات المختلفة تعكس اتساع القاعدة الاجتماعية الساخطة على السياسات النيوليبرالية والتقشفية التي تهدف إلى تخفيض الانفاق العام لمعالجة ما تسميه الحكومة “أزمة الدين العام”، والتي تؤدي إلى تدهور الخدمات العامة، وتآكل القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتعميق التفاوت الطبقي والمجالي، فضلاً عن تحميل الطبقات الشعبية أعباء الإصلاح المالي.
يُذكر أن فرنسا شهدت خلال عقد ونصف موجات احتجاجية عديدة. ففي عام 2010 اندلعت مظاهرات واسعة رفضاً لرفع سن التقاعد من 60 إلى 62 عاماً.
وفي 2016 احتج العمال والشباب على قانون العمل الذي قدمته الحكومة، واعتبروه قانوناً يستهدف إلغاء المكتسبات الاجتماعية، ويضعف الحماية القانونية للموظفين، ويمنح أرباب العمل صلاحية أكبر في تسريح العمال.
وفي 2018 و 2019، ظهرت حركة “السترات الصفراء” التي مثلت حالة احتجاجية واسعة ضد غلاء المعيشة والتفاوت الاجتماعي والمجالي، وضد تهميش سكان الأقاليم والضواحي.
كما شهد العام 2022 احتجاجات شعبية للمطالبة بزيادة الأجور، وشهد 2023 موجة احتجاجية أخرى رفضاً لرفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عاماً، تلتها احتجاجات المزراعين في 2024 للتنديد بزيادة تكاليف الانتاج الزراعي، وارتفاع أسعار الوقود، ثم جاءت حركة “لنوقف كل شيء” في 2025 الاحتجاجية ضد سياسات التقشف.
وتكشف هذه الموجات المتتالية من الاحتجاجات الشعبية عن حالة الاحتقان الاجتماعي المتراكم في فرنسا، وعن اتساع دائرة الرفض الشعبي للسياسات والإجراءات الاقتصادية الحكومية، والتي تقوم على تحميل الطبقات الشعبية والفئات الاجتماعية الأقل دخلاً أعباء الأزمة المالية.




