
- د. قاسم المحبشي
لم يكن الإنسان، بوصفه كائناً حياً، قادراً على البقاء في هذا الكوكب من دون العلم والتفكير. وقبل أن يصبح العلم مفهوماً معرفياً له مناهجه ومؤسساته وفلاسفته، كان ممارسة يومية فرضتها ضرورات الحياة ومشكلاتها. وربما كان أول قانون علمي أدركه الإنسان، بصورة غريزية وواعية في آن، هو قانون مقاومة الفناء والمحافظة على البقاء. فمنذ أن وجد الإنسان نفسه في مواجهة الجوع والعطش والبرد والمرض والوحوش والمسافات والمياه، بدأ يفكر في كيفية حماية وجوده وتوفير شروط بقائه.
كانت الحياة بلا مزايا هي المختبر الأول، وكانت الحاجة هي المعلم الأول، وكان الكائن هو الباحث والمجرب والمكتشف. فأول مأوى لم يكن فكرة فلسفية عن السكن، بل استجابة للخوف من الطبيعة؛ وأول نار لم تكن نظرية في الطاقة، بل وسيلة لمقاومة البرد وطهي الطعام وإبعاد الحيوانات المفترسة. وحين واجه الإنسان النهر فكر في الخشب وصنع القارب، وحين واجه المطر والبرد والشمس والريح صنع ملابسه، وحين واجه الجوع اتجه إلى الصيد ثم إلى الزراعة، وحين واجه العطش حفر الآبار، وحين واجه المسافات روّض الحيوانات، وحين واجه البحر صنع السفن، وحين واجه المرض بحث عن الدواء.
فالبيئة هي الوسط الحيوي الذي تعيش فيه الكائنات، والمكان هو المجال الذي تتعين فيه الكينونة وتمارس فيه الحياة وجودها. فالأرض أم جميع الكائنات الحية؛ منها ولدنا، وفيها نعيش ونتنفس ونتغذى وننمو ونزدهر ونموت، وفي فضائها نفكر ونخترع ونبدع. ولهذا لا يمكن التفكير في الإنسان من دون التفكير في المكان الذي يحتضنه، كما لا يمكن التفكير في الحياة من دون التفكير في البيئة التي تجعلها ممكنة؛ كون، كان، مكان، كائن، كيان، كينونة، مكين، تمكين تكشف عن مركزية المكان في التجربة الإنسانية. فلا كائن بلا مكان، ولا حياة بلا وسط حيوي، ولا تاريخ بلا زمان ومكان. والمكان ليس مجرد مساحة هندسية محايدة، وإنما هو أحد الشروط التي تتشكل داخلها الكينونة الإنسانية. إنه لغة صامتة تقول الأشياء بحضورها؛ فالجبال والأنهار والغابات والصحارى والمناخ والتربة والموارد ليست مجرد عناصر طبيعية، وإنما شروط تصنع إمكانات مختلفة للحياة.
عبر الممارسة اليومية الفورية المباشرة تعلم الإنسان، عبر التجربة والخطأ، أين يجد الماء والغذاء، وكيف يتعامل مع الحيوان والنبات، وأين يبني مأواه، وكيف يحتمي من الحر والبرد والمطر والرياح. لقد كان عليه أن يفهم بيئته لكي يعيش فيها. فالحيوان يعيش المكان في صورته الطبيعية ويتكيف معه بغريزته، أما الإنسان فقد امتلك القدرة على إعادة تأثيث المكان بالأدوات والتقنيات. حوّل الكهف إلى مأوى، والأرض إلى حقل، والطريق إلى وسيلة اتصال، والنهر إلى مجال للري والمواصلات، والبحر إلى طريق للتجارة. ومن هنا بدأت الجغرافيا تتحول إلى تاريخ.
لكن مشكلات الإنسان لم تكن كلها خارجية. فقد اكتشف الإنسان، بعد أن واجه الطبيعة، أن أصعب مشكلاته قد تكون كامنة في داخله؛ في طريقة تفكيره، وفي معتقداته، وفي علاقته بالآخر. وهنا يصبح العلم ممارسة لتحرير العقل، لا مجرد وسيلة للسيطرة على الطبيعة.
يرى عالم النفس السويسري جان بياجيه أن الطفل في مراحل معينة من نموه يواجه صعوبة في النظر إلى الأشياء من منظور الآخرين؛ ليس لأنه أناني بالمعنى الأخلاقي، وإنما لأن إدراكه لا يزال متمركزاً حول ذاته. فهو يرى العالم من موقعه الخاص، ويجد صعوبة في تصور أن للآخر منظوراً مختلفاً.
وهذه الملاحظة العلمية تحمل معنى فلسفياً وتربوياً بالغ الأهمية؛ إذ تعني أن النضج العقلي ليس مجرد زيادة كمية المعلومات، وإنما القدرة على الخروج من مركزية الذات. فالعقل الناضج هو الذي يدرك أن ذاتي الفردية أو الجماعية ليست مركز الكون، وأن الآخرين ليسوا نسخاً مني، وأن الحقيقة أوسع من زاوية نظر واحدة.
وهنا يصبح العلم المستنير بالفلسفة، في أعمق معانيه، ممارسة للخروج من مركزية الذات. فالعالم لا يتغير لكي يوافق معتقداتنا؛ نحن الذين ينبغي أن نغير معتقداتنا عندما تصطدم بالواقع. ولذلك فإن المعرفة العلمية لا تبدأ من اليقين، بل من السؤال، ولا تنمو بالتمسك بالإجابة الأولى، وإنما بمراجعتها واختبارها وتصحيحها. فكلما اتسعت المعرفة الحقيقية زاد معها شعور الإنسان بحدود ما يعرفه، بينما تمنح المعرفة المغلقة صاحبها وهماً خطيراً بأنه امتلك الحقيقة كاملة.
وتلخص حكاية كأس الشاي الممتلئ هذا المعنى بصورة رمزية بليغة: العقل الممتلئ بنفسه لا يتسع لشيء جديد. فلكي يتعلم الإنسان ينبغي أن يترك مساحة للسؤال والدهشة والشك. وليس المقصود إفراغ العقل من المعرفة، وإنما تحريره من وهم الاكتفاء.
فالسؤال الحقيقي في التربية والتعليم ليس: ماذا نعلم الإنسان؟ وإنما: أي عقل نريد أن نصنع؟ هل تساعد المدرسة الإنسان على الخروج من مركزية ذاته والانفتاح على تعدد المنظورات، أم تعيد إنتاجها في صورة أخرى؟ هل تعلمه أن العالم مفتوح ومتعدد، أم تلقنه أن هناك إجابة واحدة ونهائية لكل سؤال؟
إن التعليم التقليدي القائم على النقل والتلقين والحفظ والاستظهار يقع في مفارقة عميقة؛ فهو يريد أن يعلم عقل الإنسان، لكنه قد يطالبه في الوقت نفسه بألا يثق بعقله وألا يسأل وألا يشك وألا يعيد التفكير فيما تلقاه. إنه يعلمه ماذا يقول، لكنه لا يعلمه لماذا يقول؛ ويعلمه الإجابة، لكنه لا يعلمه السؤال.
وهذا ما انتقده باولو فريري في مفهومه الشهير عن «التعليم البنكي»؛ حيث يتحول المتعلم إلى وعاء تُودع فيه المعلومات، ويصبح المعلم الطرف الفاعل، بينما يظل الطالب طرفاً متلقياً يقتصر دوره على الحفظ والاسترجاع. وخطورة هذا النمط أنه قد ينتج أفراداً متعلمين في الشكل، لكنهم عاجزون عن إنتاج المعرفة أو نقدها أو إعادة تفسيرها.
إن عقل الطفل ليس وعاءً فارغاً يمكن ملؤه بما نشاء، وإنما هو كائن حي يتفاعل مع المعرفة ويعيد بناءها داخل خبرته. وهنا تكتسب أفكار بياجيه حول النمو المعرفي أهميتها؛ فالعقل لا ينمو بمجرد إضافة معلومات جديدة، وإنما ينمو عندما يواجه المشكلات والتناقضات ويعيد تنظيم بنيته المعرفية.
والطفولة هي منبع الفضول والدهشة والأسئلة الأولى: ما هذا؟ لماذا؟ كيف؟ من أين جاء؟ ولعل هذه الدهشة الفطرية هي أول منابع التفكير الفلسفي. وقد أكد غاريث ماثيوز قدرة الأطفال على طرح أسئلة فلسفية مبكرة تتعلق بالوجود والقيم والمعرفة واللغة. ولذلك فإن مهمة التربية الحقيقية ليست قتل السؤال الذي يولد مع الطفل، وإنما الحفاظ عليه وتنميته.
فالمشكلة ليست أن الطفل كثير السؤال، وإنما قد تجعله المدرسة أقل سؤالاً. يبدأ الطفل حياته مدهوشاً من العالم، ثم يتعلم تدريجياً أن هناك أسئلة لا ينبغي طرحها، وأفكاراً لا ينبغي مناقشتها، وأجوبة لا يجوز الشك فيها. وهنا تتحول التربية من صناعة العقل إلى إغلاق العقل.
ومن ثم فإن التربية الحقيقية لا تعلم الطفل ماذا يفكر فقط، وإنما تعلمه كيف يفكر. وهذه المسألة تزداد أهمية في عصر سريع التغير، حيث تتغير العلوم والتقنيات والمعارف بوتيرة غير مسبوقة، وحيث يعيد الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا ووسائل الإعلام الجديدة تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة والعمل.
فكيف نعلم أبناءنا اليوم معارف قد تصبح قديمة قبل أن يغادروا المدرسة أو الجامعة؟ وكيف نعدهم لمهن لم تظهر بعد، ولمشكلات لم نعرفها بعد؟ فالمعرفة المتجددة تحتاج إلى عقل متجدد، والعقل المتجدد هو العقل الذي لا يخاف من مراجعة نفسه. ولهذا ينبغي الانتقال من تعليم المعرفة إلى تعليم إنتاج المعرفة، ومن تلقين الإجابات إلى صناعة الأسئلة، ومن الحفظ إلى الفهم، ومن الخوف من الخطأ إلى التعلم منه.
إن العلم في جوهره ليس مجرد تراكم للمعلومات، ولا مجموعة من النظريات والمعادلات، وإنما هو قبل ذلك كله طريقة في التعامل مع المشكلات الواقعية: ملاحظة المشكلة، وصياغة السؤال، واقتراح الفرضية، واختبارها، واكتشاف الخطأ، وتصحيح المسار، ثم تحويل المعرفة إلى ممارسة نافعة. ولذلك فإن قيمة العلم لا تقاس فقط بما يضيفه إلى المكتبات، وإنما أيضاً بما يضيفه إلى قدرة الإنسان على مواجهة مشكلات الحياة.
ومن هنا فإن مستقبل المجتمعات لا يتوقف على كمية ما تمتلكه من معلومات، بل على قدرتها على تحويل المعرفة إلى ممارسة، والممارسة إلى خبرة، والخبرة إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى قدرة مستدامة على حل المشكلات. فالعلم الذي لا يغير شيئاً في حياة الناس يتحول إلى معرفة ساكنة، والعلم الذي يتحول إلى ممارسة حية يصبح قوة من قوى الحضارة.
لقد بدأ العلم عندما واجه الإنسان مشكلة، وسيظل حياً ما دام الإنسان قادراً على رؤية المشكلات بوصفها أسئلة قابلة للفهم والحل. أما الفلسفة فقد جاءت لاحقاً لتسأل: كيف نعرف؟ وما الذي يجعل معرفتنا علمية؟ وما حدودها؟ وما نتائجها؟ وبذلك فإن العلم ممارسة قبل الفلسفة التي تكفّلت برعايته، والبيئة هي المجال الحيوي لهذه الممارسة، والمكان هو مسرحها، والتاريخ ذاكرة لمسارها، والفلسفة وعيها النقدي، والحضارة هي المجال الذي تظهر فيه ثمارها.
ختاماً نكرر: لم يولد العلم من رغبة الإنسان في امتلاك الحقيقة المجردة، وإنما من حاجته إلى أن يعيش؛ ثم جاءت الفلسفة بعد ذلك لتسأل عن معنى ما عرفه وكيف عرفه، وجاء التاريخ ليحفظ مسار هذه المعرفة، وجاءت الحضارة لتجسد نتائجها في العالم. فأول علامة للحضارة ليست الأداة التي صنعتها يد الإنسان، وإنما اليد التي امتدت إلى إنسان آخر لكي تمنعه من السقوط.
سألت إحدى الطالبات ذات مرة عالمة الأنثروبولوجيا «مارجريت ميد» عما تعتبره أول علامة حضارة في تاريخ الإنسان.
توقع الجميع أن تحدثهم العالمة عن الخطافات أو الأواني الفخارية أو أدوات الصيد…
لكن كان ردها معاكساً لجميع التوقعات حيث قالت: «إن أول علامة على الحضارة في الثقافة القديمة هي الدليل الذي وجدناه، عبارة عن عظام لشخص أصيب بكسر في عظم الفخذ وشفي منه واستمر في الحياة.
في مملكة الحيوان عموماً، إذا كسرت رجلك، سوف تموت لا محالة؛ حيث أنك لن تتمكن من الهروب من الخطر المحدق بك من كل جانب، أو الذهاب إلى النهر لشرب الماء أو البحث عن الطعام مثلاً. زيادة على ذلك، ستصبح فريسة سهلة للحيوانات المفترسة. في الغاب لا ينجو أي حيوان كسرت ساقه، لعدم توفر الوقت لغاية أن يتعافى العظم. إن عظم الفخذ المكسور الذي وجدناه والذي تمت معالجته، دليل على أن شخصاً ما آخر استغرق وقتاً للبقاء مع المصاب وحمايته والاعتناء به لغاية أن يتعافى.
إن مساعدة شخص ما على تجاوز مصاعب الحياة هي نقطة البداية للحضارة؛ إن الحضارة مساعدة مجتمعية».




