
- كتب: رافد البراق
في اليوم الذي شاركت فيه في تشييع جثمان الدكتور أصيل الجبزي ألصقت في غرفتي صورة صغيرة له بحجم الكف على رفّ للكتب.
منذاك وأنا أراها يوميًا، كلما كنت في الغرفة، فأتحاور مع أصيل، ومع نفسي، حول العالم الآخر في عيون شاب يحب الحياة وعذّب ببشاعة وبلا رحمة وقتل غدرًا. عن حنينه إلى القرية وإلى الأم وإلى الأب والأصدقاء، وإلى حبيبة. عن الإرهاب، وعن كيف يمكن لبلادنا أن تتخلص منه. وأسأل: لماذا حدث له ذلك، ماذا إن حدث لي مثلما حدث له، وبماذا نحن مصابون، عيال هذا البلد التعيس والحزين؟
قبل ثلاثة أيام عدت بعد منتصف الليل من النشمة، وعندما دخلت الغرفة وجدت صورة أصيل قد سقطت، بعد سنوات من الصمود ومقاومة الغبار وعوامل التعرية والقتل والتضليل في هذا الوطن الكسير والكسيح، وفي غرفتي أيضًا!
لستُ ممن يؤمنون بالخرافات، فلم أتساءل هل هي إشارة إلى سقوط العدالة، فيما يخصّ قضية أصيل خصوصًا، لأنني أعرف أن العدالة في بلدنا سقطت منذ سنوات طويلة، ونحن الذين جايلنا الحرب لم نشم رائحتها بعد.
أخذت الصورة وأعتذرت لأصيل، وسحبت كتابًا من الرف ووضعتها في قلبه، والآن لو ذهبت للبحث عنها سأتعب لأنني نسيت أي كتاب كان ذاك.
لكنني لم أنسَ أصيل، ولم أنسَ حزنه الطافح، ولا الحزن في عيني أبيه أو في أصوات النساء وهن يرددن ويدمعن لحظة الدفن: لا إله إلا الله، والإرهاب عدو الله.
ولم أنسَ أيضًا حالة الذعر التي أصابتني ليالي اغتياله المشؤوم، والتي تحولت في داخلي إلى شعور مزمن بالفجيعة والرهاب من كل ما هو عسكري وإرهابي.
ما أخافه في الحقيقة، ويخافه أقارب أصيل، وأهالي جميع ضحايا الإرهاب، وهو الواقع الحالي والعائق أمام تحقق العدالة، هو أن تصبح الأطراف الإرهابية التي ارتكبت شتى الجرائم بحق الأبرياء، وبحق أصيل، شريكة في السلطة التي ستوزَّع بعد استعادة الدولة بين القتلة، فتمتلك الحصانة للإفلات من العقاب والعدالة. وهذا شيء غير بعيد.
وعلى أقل تقدير ستقدم كبش أو كبشي فداء مستهلَك في محاكمة صورية لتبرئة نفسها والتنصل من المسؤولية.
أصيل المسالم، لروحه السلام، ضحية عملية سياسية ممنهجة ومقصودة اتخذت القتل وسيلة وحيدة لتحقيق مصالحها الزمروية الشخصية والدفاع عنها بعيدًا عن مصالح الإنسان اليمني أو مصالح تعز، وليس ضحية عراك شخصي ومن ثم تهور واندفاع من قبل القاتل.
أي هو ضحية سياسة دموية من أجل السلطة وإعلان القتلة أنهم رقم صعب في معادلة الصراع الدائر داخل الشرعية نفسها، عند تقسيم الكعكعة. أي ضحية شعار: أنا أقتل؛ إذن أنا موجود.
ومن هنا يأتي الوجع، الصعود إلى السلطة وامتلاكها كان على جثة أصيل وصراخه الحزين لحظة التعذيب ودموع أقاربه.. وعلى جثث وصراخ ودموع ما تبقى من يمنيين.
العدالة. العدالة. سيبقى الوجع حاضرًا ما دامت غائبة. مع ذلك، أؤمن أنها ستأتي ذات يوم، غدًا أو بعد غد، عندما يعود اليمن الحلم الذي بناه اليمينيون بدمائهم في سبتمبر وأكتوبر. ذلك اليمن الذي فيه يكون الإنسان وحياته وكرامته وحقه في العيش أولى من كل شيء. اليمن العادل، يمن السلام والمحبة، لا يمن الإرهاب والقتل والمليشيا.
أما الآن فلنمارس الوجع ونعلنه عاليًا في وجه القتلة:
أبدًا، لن ننسى.





