- د. أحمد المغلس
في لحظة تاريخية فارقة من عمر العلاقات الدولية، يعاد رسم الخارطة الحضارية للعالم بعيداً عن مركزية الغرب وهيمنته التقليدية، حيث يشهد الفضاء الدولي تحولاً عميقاً يتسم بالعزوف الروسي المتزايد عن اللغات والآداب الغربية كالإنجليزية والفرنسية وغيرها ، كرد فعل واعي يسعى للتحرر من التبعية الثقافية وتجاوز محاولات الإقصاء.
وفي قلب هذا المخاض الاستراتيجي، تبرز المبادرة الروسية الشجاعة باعتماد اللغة العربية مادة اختيارية في مدارسها الحكومية إبتداء من سبتمبر 2026 ، لتشكل منعطفا جيوثقافيا استثنائيا صادرا عن دولة بمحورية روسيا وثقلها الدائم في مجلس الأمن .
إن هذه الاستدارة نحو الشرق لا تعكس انفتاحاً تعليمياً عابراً، بل تؤسس لـ”عصر ذهبي” من الدبلوماسية الثقافية والشراكة الوجدانية التي تتجاوز الحسابات السياسية الآنية إلى آفاق بناء الإنسان وصياغة وعي الأجيال القادمة.
تتجلى القيمة الأعمق لهذا القرار في الأثر التربوي والنفسي الذي تتركه اللغة في تكوين شخصية النشء وبناء هويتهم الفكرية؛ فاللغة ليست مجرد أداة للتواصل أو قوالب مصمتة من القواعد والنصوص، بل هي الوعاء الثقافي الذي يشكل وعي الطفل، والعدسة التي يرى من خلالها العالم ويتلمس بها قيم الآخرين وتاريخهم. وحين يتعلم الطفل الروسي لغة الضاد في سن مبكرة، فإن عقله ينفتح على نسق قيمي وحضاري مغاير تماماً للأنماط الغربية، حيث يمتص من خلال مفردات العربية ومجازاتها القيم والعادات العربية الأصيلة التي تميز الوجدان العربي والمشرقي. هذا الامتزاج المعرفي الباكر يسهم في صياغة عقلية مرنة وشخصية متوازنة للنشء، متحررة من الأحكام المسبقة والقوالب النمطية المشوهة التي طالما روجت لها الماكينات الإعلامية الغربية، مما يخلق جيلاً يمتلك حصانة فكرية وقدرة على التثاقف الوجداني الواعي.
وعلى المدى البعيد، يحمل هذا التحول المعرفي مردوداً استراتيجياً هائلاً يعيد صياغة العلاقات العربية الروسية على أسس راسخة لا تزعزعها التقلبات السياسية؛ فجيل الطلاب الذين يدرسون العربية اليوم سيكونون هم قادة الغد، والدبلوماسيين، والمفكرين، وصناع القرار في روسيا. إن وجود نخب روسية تتحدث العربية بطلاقة وتفهم دقائق الثقافة العربية من منابعها الأصلية، يعني الانتقال من مرحلة “الترجمة الوسيطة” إلى مرحلة “الحوار المباشر” والوجدان المشترك. هذا التفاهم العميق سينعكس إيجاباً على مجالات التعاون الشامل؛ إذ سيقود إلى ازدهار غير مسبوق في الشراكات الاقتصادية والاستثمارية ضمن تكتلات دولية وازنة مثل مجموعة “بريكس” التي تضم روسيا وقوى عربية محورية، مثلما سيعزز من التدفقات السياحية المتبادلة وحركة الترجمة العكسية للآداب والعلوم.
أما في الفضاء السياسي الاستراتيجي، فإن هذا التقارب المستدام يمثل صمام أمان حقيقي لدعم القضايا العربية العادلة؛ فروسيا، بثقلها الدولي المحوري، ستجد في هذا الجيل المشرق امتداداً طبيعياً لتفاهمات أعمق تؤسس لنظام عالمي متعدد الأقطاب يحترم السيادة الوطنية ويحمي مصالح الشعوب. إن التنسيق الروسي العربي المشهود في ملفات الطاقة الإقليمية مثل “أوبك+”، والمواقف الروسية الداعمة للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ستكتسب جميعها زخماً شعبياً ونخبوياً داخل المجتمع الروسي بفعل هذا التلاحم الثقافي.لقد خرجت لغة الضاد اليوم من حصار الأروقة الأكاديمية النخبوية ورفوف الاستشراق العتيقة، لتدخل فصول التعليم الأساسي، ولم يعد الحرف العربي طلسماً غامضاً، بل صار شريكاً حياً في صياغة عقول جيل روسي جديد يتطلع نحو آفاق واعدة. هذه الخطوة نضجت ثمارها على مهل عبر أولمبياد اللغة العربية المدرسي الذي كشف عن شغف دفين لدى الطلاب الروس، وصولاً إلى خطط إدراج العربية كخيار سادس في “امتحان الدولة الموحد” (EGE) بوزن أكاديمي يعادل أعرق اللغات العالمية، وهي خطوة تتيح للنشء الروسي قراءة روائع الفكر العربي بلغتها الأصلية، وفهم ثقافة الشرق دون وسيط.
بيد أن هذا الجسر الثقافي الفريد الذي تمد موسكو حباله، لا يمكن أن يكتمل بنيانه من طرف واحد؛ بل هو يضع العالم العربي بمختلف مكوناته أمام مسؤولية تاريخية لاحتضان هذه المبادرة واهتبال فرصتها السانحة.
ومع عظمة هذا المنعطف التاريخي، تبرز مفارقة مؤسفة تتجلى في تعاطي وسائل الإعلام العربية مع الحدث؛ إذ مرّت عليه بخفةٍ مفرطة وتغطية خجولة لا تعكس أدنى درجات استيعاب أبعاده الجيوثقافية، وكأن الأمر يعني موسكو وحدها، بينما الحقيقة الصارخة تقول إن هذا القرار ينبغي أن يهم العواصم العربية أضعاف ما يهم روسيا نفسها. إن هذا الفتور الإعلامي والمؤسسي يستوجب انتفاضة وعي عاجلة؛ إذ لم يعد مقبولاً الوقوف في مقاعد المتفرجين أمام فرصة تاريخية لا تتكرر. إن المطلوب اليوم هو صياغة حراك عربي رسمي ومجتمعي شامل يتجاوز عبارات الثناء التقليدية إلى الدعم المادي واللوجستي والروحي المطلق؛ عبر ضخ استثمارات ضخمة لتأسيس مراكز ثقافية كبرى في المدن الروسية، وتمويل طباعة المناهج المتطورة، وإرسال البعثات التعليمية، وتبني هذا القرار وكأنه مشروع قومي عربي بامتياز. لقد خطت روسيا خطوتها الشجاعة ونزعت نحو الشرق، وحان الوقت لتهبّ الضاد بكل ثقلها السياسي والمالي لتثبت حضورها في قلب أوراسيا، فالفرص الذهبية في تاريخ الأمم إذا لم تُغتنم بقوة وعزم، تحولت إلى مجرد حبر عابر على ورق المناهج.
إن هذا القرار الروسي الجريء يضع الدول العربية وجامعاتها ومجامعها اللغوية أمام مسؤولية تاريخية لا تحتمل الالتفات إلى الوراء، إذ توجب عليها إغتنام هذه الفرصة الذهبية عبر مد جسور الدعم الأكاديمي وصناعة المناهج الملائمة، لتثبت الضاد حضورها في قلب أوراسيا كسفير فوق العادة يحمي الهوية ويدعم قضايا الأمة من قلب عاصمة القرار موسكو.





