- كتب: محمد ناجي أحمد
يقع كتاب “تبرج الخفايا” للشاعر والناقد والمفكر عبد الله البردوني في “1125” صفحة، وهي بعض من ذكرياته وتداعياته، فما اشتمله هذا الحيز لا يعطي لحقبة السبعينيات إلاّ شذرات من الذاكرة فيما عقدي الثمانينيّات والتسعينيّات مغيب تماما. فهل تم الإرجاء أو المحو لأحداث هذين العقدين عن عمد وتواطؤ بين ورثة البردوني وسلطة ما، أم أن هناك حلقات لم ينشرها البردوني وكانت جاهزة بانتظار ضمها لهذا الكتاب عند طباعته؟
للانتحال عديد تمظهرات منها الحذف والإضافة، سواء لفكرة أو حدث أو طباعة كتاب باسم علم مشهور، كما حدث في قصيدة دِعبل الخزاعي التي يقول في مطلعها:
مدارس آيات خلت من تلاوة
ومنزل وحي مقفر العرصات
حين تم إضافة عشرات الأبيات لها، أو تأليف تفسير للقرآن الكريم ونسبته لابن عربي، رغم الفارق بين عرفان بن عربي في الفتوحات والفصوص وغيرها من كتبه وبين التفسير الذي نسب له، أو كتابة قصيدة بعد مقتل الزبيري ونشرها باسمه، والقصيدة المنسوبة للزبيري بحسب البردوني هي :
هذا هو السيف والميدان والفرس
واليوم من أمسه الرجعي ينبجس
البدر في الجرف تحميه حماقتكم
وأنتم مثلما كنتم له حرس
الخ، بل وتأليف كتب ونشرها باسمه، في توظيف قوى خمر لرمزية الزبيري وشعره ضد الرئيس عبد الله السلال والدور المصري في اليمن، أو أن يضم ديوان الزبيري الأول قصيدة لأحمد عبد الرحمن المعلمي وتنشر وتتداول باسم الزبيري، إلخ.
“تبرج الخفايا” لم يطبع حتى الآن، وإنما يتم تداوله لدى العديد من المثقفين، والصحفيين، وهو يحتاج إلى تصويب الأخطاء في التواريخ، فجلها بحاجة إلى تصويب، كما أن طريقة التداعي بطريقة الأمالي تجعل الأزمنة والأحداث تتداخل مما يؤدي إلى لبس، وهي بحاجة إلى فصل لما هو مشتبك يؤدي إلى التباس الأحداث والأزمنة لدى القارئ.
فتصحيح بعض الوقائع والأحداث التي نقلها المملى عليه خطأ أو توهما، كذلك الفصل بين الاستطرادات المتداخلة، التي أزالت الحواجز وجدران الزمن فترتب عليها فهم مغلوط، مما يجعل نشرها بأخطائها وتشابكاتها جناية ضد البردوني.
تحتاج المذكرات إلى قدر متخصص من المراجعة والتنبه بمنهج تحقيقي يعيد الأمور إلى دلالاتها ومقاصدها الحقيقية، فصلا لاشتباك الأحداث وأخطاء الأزمنة ووقائع الشخصيات.
الزبيري في تبرج الخفايا:
تزعم الزبيري ودعا إلى عقد المؤتمرات الشعبية في مواجهة الدور المصري، ومن ذلك مؤتمر عمران، ثم دعوته لعقد مؤتمر خمر، والذي انطلق بعد مقتل الزبيري مستثمرا دمه، ومروجا بأن قتلته هم المصريون والرئيس السلال، مع قبضهم لقتلة الزبيري، ومعرفتهم بأنهم مرسلون من الأمير محمد بن الحسين، بل وتواطؤهم بإخفاء الحقيقة ثم بتهريبهم للقتلة الذين ينتمون لذي حسين، من سجن “مهلهل” في “خارف”، الذي يقع ضمن سلطة ونفوذ الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، الذي رفض حينها تسليم القتلة إلى صنعاء!
في “تبرج الخفايا” يطالب محمد محمود الزبيري بعدم توظيف النساء، ويعترض على بناء مرافق حكومية كالبنك المركزي وتوسيع الشارع لأن ذلك على حساب مقبرة خزيمة، بحجة حرمة المقابر، ويومها خرج العديد من العلماء في مظاهرة، كان فيها العلامة محمد المنصور والأستاذ عبد المجيد الزنداني وغيرهم لرفض شق طريق أو بناء البنك المركزي على حساب جزء من مقبرة خزيمة أو أطرافها، ذكر ذلك عبد المجيد الزنداني في حوار له في تلفزيون الجمهورية اليمنية بصنعاء، قبل سنوات، حين كان يتحدث عن دوره في ثورة 26سبتمبر، فلم يجد دورا سوى الحديث عن هذه المظاهرة!
اجتمع الزبيري بالبردوني وعبد الله حمران، كي يحدد لهم نهجا وسياسة لإذاعة صنعاء، فقال لهم :” المطلوب تحقيق ثلاثة أمور : تأكيد حرمة المقابر، الثاني عدم توظيف المرأة، الثالث : منع المذيعتين، ومقابلة الوافدات من مغنيات كوكبان وعدن وتعز” ص13.
لم يسلم الزبيري من تأثير الجدل العرقي، وقد سبق أن دللت على ذلك حين تناولت قصيدة له يتحدث فيها عن ثنائية القحطانية والعدنانية ولو في سياق الأخوة، وقلت إن هذه الثنائية شرخ يقوم على العرق لا على وحدة عضوية اسمها المواطنة والوطن والمواطن.
يقول البردوني “ومن المؤسف أن الزبيري النقي الوطنية لم يسلم من تأثيرات الجدل العرقي، العرقي، ولعلّ في ذلك إرضاء لمن حول الزبيري.
لهذا لاحت على أقل شعره مسحة قحطانية كما في ميميته الشهيرة:
أبناء قحطان عبيدٌ بعدما
عَبَدَتْهمُ الزعماء والحكام.” ص511-512.
لكن البردوني ذاته في تلك المرحلة لم يكن متحررا من فكرة مجد الجدود، وإن كان يطلب من محدثه أن يفخر بمجده لا بأجداده، ومن ذلك :
قد يسرُّ الجدود منك ومني
أن يرونا في جبة المجد غارا.
بل لم يكن البردوني متحررا في بداياته من مناطقية تجاوزها بعدذلك …
أحمد محمد الشامي ونقده لـ”رحلة…” البردوني وشعره:
إن توصيف البردوني في هذه المذكرات لنقد الشامي الذي نشره سواء ما يتعلق برحلة البردوني أو شعره، وهو نقد عنيف، لا يضيء طريقا وإنما ينفي إبداعا وتميزا- قول البردوني في هذه المذكرات بأن الشامي أنار له الطريق قول يحتاج إلى تحقيق ومقارنة مع تناولات وإشارات البردوني للشامي في كتبه الأخرى. فقد سفه الشامي شعر البردوني وبضاعته في اللغة وتاريخ الأدب اليمني ونقده.
بل إن محاججات أحمد محمد الشامي كانت مساجلات محام لا نقد موضوعي، فصاحب الكتب العديدة في تاريخ الأدب اليمني عبر العصور، ورياح التغيير وله مسرحية شعرية، الخ- يرد على ما قاله البردوني بخصوص انتحال الزبيري لقصيدة من قصائد الشاعر أحمد عبد الرحمن المعلمي، والتي أرسلها الأخير من سجنه إلى الزبيري طالبا منه نسخها وتمزيق نصها الأصلي، فما كان من الزبيري إلاّ أن نسخها وقرأها باسمه، ثم ضمها بعد الثورة السبتمبرية إلى ديوانه “ثورة الشعر”.
هل استسهال السطو على الإنتاج الفكري وانتحاله يعود إلى نهج تراثي ينسخ ما ذكره السابقون دون إشارة إلى مبدعه الأول، ومن هذا الإرث كان العديد من الإسلاميين متبعون، بل إنهم وهم يسطون أو يسرقون جهود سابقيهم لا يشعرون بتأنيب ضمير، بل يرون عن عقيدة أنهم خدموا النص أو المقال أو الدراسة محل السطو والسرقة حين تبنوها وعمموها ونسبوها إلى أنفسهم، أم يعود ذلك إلى ضمور في المخيلة والإبداع، أم كليهما؟
مصرع ضمير”.. قصيدة وشاعران”
محمد ناجي أحمد الخميس , 26 أكـتـوبـر , 2017
في كتابه (رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه) الصادر عام 1973م، يرى عبدالله البردوني أن شهرة الشاعر محمد محمود الزبيري قامت على ثلاثة أسس، الأول: أنه كان امتداداً متجدداً للشعر العربي في عهد فحولته، وفي عهد النهضة، فكان عهده الأول يمتاز بالمبالغة، وإن لم تكن مقبولة واقعياً، فهي مقبولة فنياً، ومن ذلك قوله في مدح الإمام يحيى:
من أين يأتيك العدو؟ وأنت في
أرض تكاد صخورها تتشيع
وهو في هذه القصيدة متأثر بقول المتنبي في بني أوس:
وعجبت من أرض، سحاب أكفهم
من فوقها، وصخورها لا تورق
والأساس الثاني: شعر المناسبات عند الزبيري من موت أو تقريض لكتاب، كما هو الحال في رثائه للأستاذ أحمد محمد نعمان في وفاة إحدى قريباته، أو تقريضه لكتاب أحمد العنسي عندما فصل (المذهب الهادوي) عن المذاهب الخمسة في شرح الأزهار، في كتابه (التاج المذهب)، فأثنى عليه بقوله:
والعلم إن لم ينتشر بين الورى
فذهابه وبقاؤه سيان
إن التأني في الشيوخ فضيلة
لكنه عار على الشبان
ومن ذلك رثاؤه لعمه يحيى لطف الزبيري حاكم المقام، ومسامحته له على اقتحامه لبيته مع مجموعة من العساكر تنفيذاً لأمر الإمام يحيى:
غفرت لك الحيف الذي سمتني به
فما أنت جانيه ولا أنت كاسبه
لقد كنت في ما جئت قائد عسكر
تصرفه في ما تريد كتائبه
والأساس الثالث في شهرة الزبيري هو التجديد على أساس القديم، والنفاذ إلى المجهول عن طريق المعلوم، ومن ذلك قوله:
ناشدتك الإحساس يا أقلام
أتزلزل الدنيا ونحن نيام
ويقسم البردوني شعر الزبيري إلى أربع مراحل، هي: مرحلة الإرادة والتردد، ومرحلة النصح للحاكمين، ومرحلة الانقلاب النضالي، ومرحلة شعر الثورة.
يتوقف عبد الله البردوني في (رحلته) عند قصيدة (مصرع ضمير) التي نشرها محمد محمود الزبيري في ديوانه، ويؤكد أن القصيدة ليست للزبيري، وإنما هي للشاعر (أحمد المعلمي) أرسلها حين كان سجيناً في حجة عام 1953م، إلى الزبيري في القاهرة، لكن الزبيري من شدة إعجابه بالقصيدة قرأها في مقر (الاتحاد اليمني) على أنها له، ثم طبعها ضمن قصائد ديوانه. وقد رد عليه (أحمد محمد الشامي) في كتابه (من الأدب اليمني نقد وتاريخ) المطبوع في دار الشروق عام 1974م، معللاً نشر القصيدة في ديوان (الزبيري)، بأن (أحمد المعلمي) حين أرسلها من سجنه في حجة إلى الزبيري في القاهرة، طلب من (الزبيري) أن يقرأ القصيدة ثم يمزقها، حتى لا يعلم عسس الإمام بها، لكن الزبيري من إعجابه بالقصيدة كتبها بخط يده، ومزق الأصل. ومع مرور السنوات وجدها ضمن أوراقه وبخطه، فتوهم أنها من شعره، ونشرها في ديوانه. واضح أن رد الشامي متحيز لصديقه الزبيري، بل كتب بدافع التعصب لتلك الصداقة، وبلغة المحامي لا متقصي الحقيقة، لأن الزبيري حين قرأها في (الاتحاد اليمني) حين وصلته القصيدة، قرأها على أنها قصيدته لا قصيدة المعلمي، ثم أعاد نشرها في ديوانه!
وقد أكد (أحمد المعلمي) في رسالته المنشورة في كتاب الشامي (من الأدب اليمني)، أن القصيدة له، وأن عنوانها الأصلي (مت في ضلوعك يا ضمير)، فنشرها الزبيري بعد تعديل العنوان إلى (مصرع ضمير)، وقد كانت قصيدة (المعلمي) من 20 بيتاً، تنتهي بقوله:
كانت أسود الغاب، وهي اليوم دود في القبور.
فأضاف لها الزبيري 8 أبيات، وجعل خاتمتها قوله:
ودعوا لنا شعباً نحنطه بأوهام العصور
ونذيقه نوماً يغط به إلى يوم النشور.
ويبدو أن قسوة (أحمد محمد الشامي) على صاحب (الرحلة) عبد الله البردّوني، واتهامه له بأنه يريد أن يحتل المكانة الشعرية للزبيري بالانتقاص منه، والتعريض به وبشعره، أقول ربما دفع ذلك بالبردوني إلى أن يحذف حكاية قصيدة (مصرع ضمير) في طبعته الثانية للكتاب، الصادرة عن دار العودة عام 1978م، دون أن يتراجع عنها نفياً أو تعديلاً!
وحكاية قصيدة (مصرع ضمير) يؤكدها الأستاذ أحمد محمد نعمان في مذكراته، وتقديم المعلمي لكتاب الشامي الذي يحتوي على رسالته المنشورة في الكتاب، وفيها توضيح ملابسات هذه القصيدة.




