- ضياف البراق
قالت له صديقةٌ عزيزة إنها تُحِبّه بتعمُّق، فقال لها إنه يكره العنف. لأنه قبلها أحبَّ امرأةً بعمقٍ وتعمُّق فدمّرها ودمّرته. ومن يتعمق في الحب يجِد البؤس أمامه. لا يسلم المتعمِّق من الأذى. الأذى النفسي خصوصًا.
كانت جدته القروية تقول لأبنائها: لا تتعمّقوا فتتعبوا. التعمُّق كُفْر. شقاء.
أحيانًا التعمق زيغ عن المعنى أو القصد. إضاعة للوقت. إضاعة للحقيقة. تهرُّب ممّا هو معقول أو جميل. أو ابتعاد عمّا هو طبيعي أو ضروري. إنه الوقوع في العبث.
تُسمّى الأرض “البسيطة”، فكن بسيطًا وامشِ فيها باعتدال. كما يفعل الحكماء.
الكلام العميق بحق هو الذي يخرج من قلبك وذهنك دون تعمُّق. على هذا المبدأ أسير عندما أكتب. فالتعمق وقتَ الكتابة يُفسد عليَّ متعتها ويقطع فكرتي أو كلامي.
اقرأ كتابات المتعمّقين، تجدها معقدة جافّة مُمِلة. ونجد بين كلام الصوفية كلامًا لا يزيد عن كونه لغوًا. وأكثره شطحات مرمّزة مغمّضة، مهما اجتهدت فيها لا تفهمها. وأغلب شعراء هذه الأيام يتعمّقون إلى حدٍّ بعيد، فيضيّعون الشعر والشعير معًا، ويأتون بالهراء.
لنقرأ واحدة من لطائف أُنسي الحاج: “العمق والتعميق: الأول فوري، طبيعي، لا يخشى العفوية. الآخر مُجتهِد، مبني على المراقبة والحفر الدؤوب. التعميق يحتاج إلى مسافة ليصنع ذاته. العمق هو ذاتُه المسافة”.
تعمق في الدين، تخرج منه. تعمق فيه لتفسده أو ليفسدك. لكن المتدينين لا يتعمقون. وتعمق في الفلسفة، تجرفك إلى الهاوية. تعمق في الحياة، تفقد طعمها. وتعمق في الموت إن شئت.
جرّب النزول في بئر عميقة، تعمق فيها حتى تصل إلى قعرها، ثم اطلع منها، بالتأكيد أنك ولا شك ستتعب كثيرًا كثيرًا.
ونحن نحب الطفولة لأنها بريئة شفّاقة غير معقدة. الطفل لا يتصرف بعمق، إنما بعفوية تامة، لا يتصنَّع المشاعر والحركات مثل الكبار، وهذا سر انجذابنا إليه. بهذه العفوية كانت أمي تعاملني وتحبني. عاشت على سليقتها.
نقرأ في “نهج البلاغة” ما يعني أن التعمُّق نوعٌ من الكفر؛ “فمن تعمّق لم ينُبْ إلى الحق”. وفي هذا شيء من الحكمة أو الحق. والكفر هو التطرُّف، تجاوز الحد في القول أو الفعل.
اكفر. تعمق. افعل ما تريد. أنا لست ضدك. أنا ضد نفسي فقط.




