
- بقلم: د. عبدالعزيز علوان
الفقيهة حفصة أحمد عبدالجبار أبو الأسرار
كانت الفقيهة حفصة أحمد عبد الجبار أبو الأسرار واحدةً من المربيات اللاتي شدّت إليهن رحال الطفولة من القرى المجاورة، عبر مسافات شاقة وطرقات مقفرة، لما تمتعت به من مكانة علمية وتربوية، وما عُرفت به من إخلاص في تحفيظ كتاب الله الكريم للأطفال. وقد ذاع صيتها في آفاق القرى المحيطة، وأصبحت مَعْلامتها مقصدًا لأبناء المنطقة وبناتها.
عملت الفقيهة حفصة في تدريس القرآن الكريم مدةً تتراوح بين أربعين وخمس وأربعين سنة تقريبًا، وكانت حافظةً للقرآن الكريم كاملًا، وانتفع بعلمها أجيال من أبناء وبنات القرى المجاورة.
وقد امتد أثرها التعليمي إلى قرى الحفر، والكهيف، والذنيب، وشعبة جعفر، والمشارع، ونعامة، والقحفة، والأعبار، والصنعة، ومعول، والصيرات من عزلة الأصابح؛ والمكراب وحباجر من عزلة العزاعز؛ والمأنب، والصنعة، والغيل، والبحبح، والعدنة، وقشاطيط من عزلة الصنعة زريقة؛ وقرية الشرجة، وبين المساجد، والمدهون، والشرف من عزلة القريشة، إضافةً إلى عدد قليل من أبناء الحضارم.
وتكشف هذه المسافات التي قطعها الأطفال للوصول إلى مَعْلامتها عن مكانتها في الذاكرة التعليمية والاجتماعية لأبناء تلك القرى، وعن الثقة التي حظيت بها بوصفها معلمةً ومربيةً للأجيال.
مَعْلامة تجمع البنين والبنات
كان التعليم في مَعْلامة الفقيهة حفصة مختلطًا، يجمع البنين والبنات في مكان واحد، يفصل بينهما ممر للحركة والعبور، لا تتجاوز مساتفه أربعين إلى خمسين سنتيمترًا.
وكان الذكور المتقدمون في الحفظ، الذين يجيدون التلاوة، يعلّمون الذكور والإناث الأصغر منهم سنًّا، كما كانت الإناث المتقدمات في الحفظ، اللاتي يُجدن التلاوة، يعلّمون الأصغر منهن، من الإناث والذكور. ويكشف هذا النظام عن نمط من التعليم التعاوني الذي أتاح للمتقدمين في التعلّم الإسهام في تعليم زملائهم وزميلاتهم الأصغر سنًّا.
وقد درس على يد المربية الفاضلة حفصة أحمد عبد الجبار أبو الأسرار كثير من الذكور والإناث، فأكمل عدد منهم حفظ القرآن الكريم، وأجادوا القراءة والكتابة والعمليات الحسابية الأساسية، إضافةً إلى قدر يسير من علم الجبر القديم، الذي تلقّاه بعضهم على يد الأستاذة نورية أحمد أحمد عبد الجبار أبو الأسرار.
وكان هؤلاء التلاميذ والتلميذات يلتحقون بالمدارس النظامية من الصف الثاني أو الثالث الابتدائي، ويحقق بعضهم تفوقًا علميًّا؛ وهو ما يعكس الأثر التعليمي للمَعْلامة، ودور القائمين عليها في تهيئة الأطفال للالتحاق بالتعليم النظامي ومواصلة التقدم فيه.
ولم تكن مَعْلامة الفقيهة حفصة مجرد مكان لتحفيظ القرآن الكريم، بل كانت فضاءً تربويًّا تتشكل فيه بدايات المعرفة، وتنمو فيه علاقة الطفل بالمعلم، وتترسخ قيم الانضباط والمثابرة والتعاون.
الفقيهة حفصة في سنواتها الأخيرة
امتد عمر الفقيهة حفصة أحمد عبد الجبار أبو الأسرار إلى نحو 104 أعوام، وفقًا لما ورد في الرواية المتناقلة عنها.
وتروي الذاكرة المحلية أنها في لحظاتها الأخيرة، وعلى فراش الموت، كانت تقرأ سورة يس وتردد الشهادتين، قائلةً:
«أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. أُشهدكم، وأُشهد ملائكة الرحمن، أني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، أذخرها ليوم لقاء ربي».
وظلت تكرر هذه الكلمات مرات عدة، حتى فاضت روحها الطاهرة، وإصبعها مرفوع إلى الأعلى، ومسبحتها مقبوضة في يدها.
امتدّ عمر الفقيهة حفصة أحمد عبد الجبار أبو الأسرار إلى نحو 104 أعوام، وفقًا للرواية المتناقلة عنها، حتى فاضت روحها إلى بارئها عام 2017م، بعد حياة حافلة بالعطاء التربوي وتعليم القرآن الكريم لأجيال من أبناء القرى المجاورة.
المصدر: أ. عدنان محمد عبد الوهاب… حفيد المربية حفصة)
ذاكرة وذكريات
في رسالة مختصرة، استعاد أ. عبد العزيز الصوفي، أحد الذين تتلمذوا على يد الفقيهة حفصة، بعض ملامح تلك المرحلة، مستحضرًا مكانتها في نفسه وذاكرته بوصفها مربيةً للأجيال، وصاحبة أثر في تكوين شخصيته التعليمية.
وجاء في رسالته:
مربية الأجيال، الوالدة العزيزة والأستاذة الفاضلة حفصة أحمد عبد الجبار أبو الأسرار
«الحقيقة أنني كنت طفلًا حينها، يتراوح عمري بين الخامسة والسادسة، خلال الفترة الممتدة من عام 1965م إلى عام 1968م.
وكان دخولنا، أنا ووالدتي، إلى المملكة العربية السعودية في موسم حج عام 1968م، هو التاريخ الوحيد الموثّق الذي أستند إليه في تحديد تلك الفترة».
وفي رسالة أخرى، غاص الصوفي في أعماق ذاكرته، مستخلصًا سطورًا عطرة من سيرته الذاتية، ومن حكاية العلاقة التي جمعت المربية بتلميذها؛ تلك العلاقة التي بدأت في رحاب المَعْلامة، حيث كان الطفل يخطو خطواته الأولى في دروب المعرفة، ويستزرع في وعيه بذور القراءة والكتابة، تحت رعاية معلمة تركت أثرًا عميقًا في ذاكرته.
نص الرسالة كما وردت:
الأخ الكريم الدكتور عبدالعزيز علوان،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
واسعد الله أوقاتكم بكل خير.
أكرمتني وشرفتني بكتابة ما في ذاكرتي عن سيرة (الوالدة العزيزة) الفقيهة / خالتي حفصة، في مرحلة عمري الأولى بين السن الخامسة والسادسة تقريبًا، في قريتي معول / الأصابح – تعز باليمن.
(الفَقْهِيَّة – هكذا كنا ننطقها).
وفي بيتها الذي حولت جزءًا منه إلى منارة علم وقصد لتحفيظ كتاب الله الكريم للذكور والإناث من أبناء الأصابح، (تسمى مَعْلامة)، في ذلك الزمن بداية الستينات مثل الكتاتيب كما يعرفها أهل البلدان العربية الأخرى.
والدتي الحبيبة ولدت ونشأت في قرية ذبحان، وهي بعيدة كما تعلمون عن قرية والدي (معول)، ولم تتهيأ لها الظروف في طفولتها أن تلتحق بمَعْلامة لتحفظ القرآن الكريم وتتعلم القراءة والكتابة في قريتها.
ولكن من حسن حظها وحظنا، كان في قريتها سيدة يهودية تجمع نساء القرية من كل الأعمار، قبل المغرب بساعة تقريبًا، تقص عليهن القصص القرآني؛ وخاصة قصة نوح وابنه وزوجه، وقصة إبراهيم وابنه إسماعيل، وقصة يوسف وإخوته، وقصص موسى وأمه وأخته وزوجة فرعون، وقصة مريم والمسيح، و… وكانت رحمها الله دائمًا ما ترويها لنا يوميًا، وكما ذُكرت في القرآن الكريم، رغم أميتها.
وكانت حريصةً جدًّا على تعليمي وتحفيظي لكتاب الله الكريم، حيث كنت بين ثلاث بنات.
مَعْلامة الفقيهة حفصة تبعد عن قريتنا 20 دقيقة مشيًا على الأقدام أو أكثر، مع أختي الأكبر مني سنًّا.
(أرجوكم أخي العزيز الدكتور علوان أن تتأكدوا من المسافة والزمن)
ووالدتي العزيزة رحمها الله وأسكنها الدرجات العلا من الجنة هي التي اختارت هذه المَعْلامة البعيدة عن قريتنا، رغم المخاطر الكثيرة التي كنا نتعرض لها من الثعابين في ذهابنا وإيابنا وصعود ونزول الجبال.
علمًا بأننا كنا نتعلم في مَعْلامة قريتنا (مَعْلامة الفقي القدسي رحمه الله)، إلا أنها قررت أن ننتسب لمَعْلامة الفقيهة حفصة؛ لأنها سمعت أنها تتعامل مع كل الأطفال وكأنهم أبناؤها، وتحرص بكل الوسائل على تحفيظهم لكامل كتاب الله (الختمة) في وقت يسير، وتعمل حفلة لكل طالب/طالبة أنهى حفظ الختمة، للفرح والسرور والتشجيع بهذا الإنجاز.
وكانت والدتي تحبها حبًّا جَمًّا لأنها تعلّم الأطفال القرآن الكريم، وتزورها من وقت لآخر للتأكد من الاهتمام بي، وتجعلنا نناديها بخالتي حفصة، وهي في الحقيقة تستاهل هذا الحب وهذا التقدير وهذا القرب.
فقد كانت دائمة الابتسامة، مع قوة شخصية تليق بالمعلم والمربي، والعصا بيدها والمِشَدَّة الخضراء النسائية على رأسها.
أختي عزيزة ختمت حفظ القرآن، وعملت لها خالتي حفصة مثل كل طلابها حفلةً لا زلت أتذكرها، مع النشيد الجميل:
يا رجاء كل رجاء…
(ياريت أخي العزيز الدكتور علوان تكتب رأس النشيد، وكأنه يبدأ بـ: نصرٌ من الله وفتحٌ قريب)
وقد استعملت معي كل الأساليب لتحقيق رغبة والدتي رحمهم الله وأسكنهم فسيح جناته.
إلا أن والدي رحمه الله طلب من والدتي ونحن معها الدخول إلى السعودية لأداء فريضة الحج عام 1968م، عن طريق عدن وعبر الخطوط الجوية الكويتية، واستقرينا بها إلى اليوم والحمد لله رب العالمين.
وخلال معيشتنا في أم القرى كانت والدتي تذكرني وأختي عزيزة بخالتي حفصة، وتطلب منا أن ندعي لها عند الكعبة أثناء الطواف وفي الصلاة، وتقول إنها من أهل الجنة لأنها حفظت كل أولاد وبنات الأصابح كتاب الله الكريم القرآن المجيد، وستظل في ذاكرتي محبةً ووفاءً إلى أن ألقاها ووالدتي في أعلى الدرجات على سرر متقابلين.
وما زلت أتذكر ابنها الأكبر محمد، ببدلة زواجه، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته؛ فذات مرة ونحن في الدرس، فزّت رحمها الله من مكانها وخرجت مسرعةً، وكنت ممن تبعها وأختي، فشرحت لي أختي عزيزة بأن ابنها تزوج بالأمس، والآن خرج إلى الشارع أو خارج البيت، وفزّت رحمها الله مسرعة لتصبح عليه، أو هكذا فهمت، وهي المرة الوحيدة التي شاهدته فيها.
وقد أكرمني الله بزيارتها والسلام عليها عام 2010م، وذكرها وسيرتها العطرة لا تفارقني لأنها مرتبطة بوالدتي الغالية الحبيبة، رحمهم الله وأسكنهم فسيح جناته.
وأضاف الصوفي:
نعم أخي العزيز الدكتور علوان،
سقط عن ذاكرتي سهوًا أيضًا بأني التحقت بمدرستي الابتدائية (سعد بن أبي وقاص) في مكة المكرمة في الصف الثالث الابتدائي مباشرةً، ولا زلت أتذكر وجهة نظر المدير الاستاذ علي بن سعيد العتيبي وهو يتحدث إلى والد الجميع الأستاذ عبد الله بن أحمد حيدر، عم أخي وصديقي العزيز الأستاذ جميل بن علي الأصبحي (أبو جمال)، بأني لو كنت أععرف مبادئ اللغة العربية لكان سجلني في الصف الرابع أو الخامس ابتدائي، وهذا بفضل الوالدة العزيزة والمربية الفاضلة الأستاذة حفصة أحمد عبد الجبار أبو الأسرار. والحمد لله رب العالمين.
من فقهاء المَعْلامة في قرية الفيل الزريقية
إسهامًا منه في إثراء موضوع فقهاء المَعْلامة في القرى المجاورة لعزلة الأصابح، زوّدني الأستاذ رقيق قادري الزريقي بأسماء كوكبة من فقهاء المَعْلامة في قرية الفيل الزريقية، ممن أسهموا في تعليم أجيال من أبناء المنطقة، وهم:
الفقيه عبد الغني سعيد علي الشاعر الزريقي (صرجاح): وهو من أشهر فقهاء المَعْلامة الذين قرأ عندهم أبناء المنطقة.
الفقيه علي علوان النظاري: وقد واصلت بناته مسيرة التعليم، ومن أبرزهن صفية علي علوان.
الفقيه فارع صويلح: ممن سبقوا هؤلاء في تعليم الأجيال السابقة.
وتأتي هذه الأسماء ضمن ذاكرة التعليم التقليدي في قرية الفيل الزريقية، استنادًا إلى ما نقله الأستاذ رقيق قادري الزريقي، إسهامًا في توثيق أسماء الفقهاء الذين أدّوا دورًا تعليميًا وتربويًا في القرى، قبل انتشار التعليم النظامي.
(ملحوظة للمؤلف: المسافة التقريبية بين قرية معول والحر تقارب أو تزيد عن 4 كم، وكانت مسافة شاقة ومقفرة في خطى الطفولة، ولكن الفترة الزمنية التي يستغرقها الطفل تفوق ضعف ما ذُكر أعلاه).
إضافة توثيقية إلى الحلقة الأولى من ذاكرة المَعْلامة وأيامها الجميلة
وفي تعقيبٍ على الحلقة الأولى، في مؤسسة السنيور الثقافية، أضاف الأخ محمد عبد العزيز العسيق هذه الذكرى التي تستحضر شيئًا من أجواء التعلّم في المَعْلامة، قائلًا:
«وأنا أتذكر عندما أكملتُ جزء عمّ، والاحتفال والزفّة التي أوصلني فيها زملائي في المَعْلامة إلى البيت، لكن من دون ركوب بغلة أو حمار.
كانوا ينشدون:
نصرٌ من الله وفتحٌ قريب، وبشّر المؤمنين.
يا رجاءَ كلِّ رجاء، يا عظيمَ المرتجاء…
أحدٌ صمدٌ، والمستقيمة صاحبتي…
وهذا بعضٌ من النشيد الذي كانوا يرددونه.
وبعد ذلك، التحقتُ بمدرسة الفجر الجديد الابتدائية في التربة، خلف المجمع الحكومي حاليًا، وقُبلتُ في الصف الثاني؛ لأنني كنتُ أعرف القراءة والكتابة.
الله ما أجمل تلك الأيام والدراسة!»
يتبع….




