
- د. أحمد المغلس
منذ أن خط أحمد بن فضلان مشاهداته الأولى في رحلته الشهيرة نحو بلاد الروس في القرن العاشر الميلادي، ومياه الفكر تتدفق في قنوات خفية بين المشرق العربي والشمال الممتد.
لم يكن الشغف وليد لحظة سياسية عابرة، بل كان تلاقياً للأرواح، تلاقياً تجلى حين أدرك شهرزاد الصباح في مخيلة ألكسندر بوشكين وهو يكتب “قبسات من القرآن”، وحين سكنت الروحانية الشرقية وحكمتها قلب ليو تولستوي في أواخر أيامه، وحين انشغل فيودور دوستويفسكي بالبحث عن المطلق والعدالة الإنسانية في هوامش المخيال الشرقي. هذا الإرث الفلسفي والتاريخي العريق، الذي يمتد لقرون بين أمة الضاد التي أضاءت بجهابذتها دروب العلوم والفلسفة، وبين الحضارة الروسية التي هزت الوجدان الإنساني بروائعها الأدبية، يعود اليوم ليتجسد حياً نابضاً تحت سقف مجمع “غوستيني دفور” التاريخي المحاذي للساحة الحمراء، في الدورة الـ39 لمعرض موسكو الدولي للكتاب.
هنا، في هذا الفضاء المعرفي النخبوي، ليس حبر المطابع وحده ما يجف على ورق الكتب، بل هي مسافات الجغرافيا وأوهام القطيعة تذوب وتتلاشى، لتثبت الثقافة أنها جدار الصد المنيع والأخير في وجه محاولات العزل الفكري، وأن حبر المبدعين سيظل دائماً أطول عمراً من الأزمات، وأقوى من تقلبات السياسة وعواصفها العاتية.
وفي أروقة المعرض، رسمت لوحة بصرية وفكرية مبهجة، تداخلت فيها الألوان لتشكل فسيفساء حضارية تفيض بالأصالة والعصرنة، حيث تهادت أجنحة الدول العربية كواحات ممتدة من التنوع والكثافة، فبينما سجلت دولة قطر حضوراً بارزاً يعكس التزامها المستمر بدعم صناعة النشر والتبادل المعرفي من خلال توقيع اتفاقيات الترجمة وحفظ حقوق الملكية الفكرية، لمعت إمارة الشارقة بدبيجها الثقافي المعهود –كعادتها في رعاية كتاب الكون– لتمثل واحة نابضة للتواصل الإنساني، جنباً إلى جنب مع المشاركة المتميزة لدولة الإمارات العربية المتحدة. كما برز جناح سلطنة عُمان كعلامة فارقة بخصوصيته وهويته البصرية الأخاذة، حيث شكل الجناح العماني نافذة ملكية أطلت من خلالها موسكو على إرث عريق يمزج بين أصالة التراث البحري والفقهي، وبين حداثة المنتج الأدبي العماني المعاصر، عبر تقديم مخطوطات نادرة وإصدارات فاخرة تؤرخ للحكمة الممتدة في تاريخ السلطنة وجعلتها مزاراً رئيسياً للنخب الروسية الشغوفة.
غير أن المملكة العربية السعودية شكلت في هذا المحفل مركز الثقل الثقافي الأبرز، متصدرة المشهد بأكبر جناح عربي على الإطلاق، جناح امتاز بثراء استثنائي وتنوع معرفي وتقني مبهر تضافرت فيه جهود عشر جهات حكومية وثقافية وتعليمية كبرى تحت مظلة واحدة. لقد قدم الجناح السعودي لوحة متكاملة للحراك الفكري المعاصر في ظل رؤية 2030، حيث زاوج بين عراقة التاريخ وأحدث تقنيات العصر.
فبينما استعرضت “دارة الملك عبدالعزيز”، ومكتبتا “الملك فهد الوطنية” و”الملك عبدالعزيز العامة”، ومجمع “الملك عبدالعزيز للمكتبات الوقفية” كنوزاً من المخطوطات والوثائق التاريخية النادرة، أبهرت وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد زوار المعرض بتقديم تجارب تقنية تفاعلية رائدة، شملت استعراض روائع ومراحل طباعة المصحف الشريف من “مجمع الملك فهد”، وتطبيقات رقمية ذكية مثل تطبيق “رشد”، إلى جانب إتاحة تجربة الحج الافتراضي ثلاثي الأبعاد والواقع الافتراضي (VR) التي نقلت الجمهور الروسي إلى قلب الحرمين الشريفين. ولم يقتصر الثراء السعودي عند هذا الحد، بل امتد علمياً عبر “جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن” التي شاركت بعشرات العناوين البحثية والأكاديمية المتخصصة، وجمالياً من خلال “مركز الأمير محمد بن سلمان للخط العربي” الذي استعرض الحرف العربي كأيقونة فنية مدهشة، جنباً إلى جنب مع برنامج حواري حاشد لـ”مركز الملك عبدالعزيز للتواصل الحضاري” وندوات متميزة ناقشت أبعاد الأدب السعودي المعاصر وسحر الحكاية الشرقية في الوجدان الروسي الكلاسيكي.
إن تفاصيل هذه المشاركة العربية الكثيفة والقوية تتجاوز حدود العرض التقليدي إلى رسم ملامح عصر جديد في تطوير العلاقات الثقافية والإعلام بين العالم العربي وروسيا.
لقد تحول المعرض إلى خلية نحل إعلامية، صِيغت فيها لغة خطابية مشتركة تتجاوز الأنماط الكلاسيكية الجاهزة، لتنقل صورة حية ومباشرة عن حقيقة الحراك المعرفي المتبادل. ومن خلال التغطيات الإعلامية والمنصات الرقمية، أصبحت أدوات العلاقات الثقافية قنوات حيوية لتقديم “القوة الناعمة” لكلتا الحضارتين. وتتوج هذه الأبعاد الاستراتيجية بالقرار التاريخي لروسيا باعتماد اللغة العربية مادة اختيارية تدرس في المدارس الحكومية الروسية. هذا التحول التعليمي الجذري يمنح العلاقات الثقافية والإعلام بعداً مستداما، فهو يبني جيلاً روسياً جديداً قادراً على قراءة العقل العربي بلغته الأم ومخاطبته دون وسيط، مما يعمق أواصر الثقة ويسهم في تفكيك الصور النمطية، ويؤسس لشراكة معرفية وإعلامية طويلة الأمد تكتب آفاقها بحروف الضاد الفصيحة.
وعلى الجانب الآخر من المشهد، ولتكتمل تفاصيل الصورة بأبعادها الواقعية، لا يمكن إغفال غياب الأقطار العربية الأخرى، لاسيما دور النشر المستقلة والخاصة من دول شمال إفريقيا وبلاد الشام، وهو غياب لا يعكس قطيعة فكرية بل تفرضه تعقيدات واقع لوجستي واقتصادي مرير، حيث شكلت الارتفاعات الحادة في تكاليف الشحن الدولي والقيود المصرفية وعقبات الطيران عائقاً كبيراً أمام الناشرين الفرديين دون وجود رعاية حكومية رسمية تتبنى نتاجهم.
إن هذا الغياب، رغم ما يتركه من غصة، يتحول إلى درس استراتيجي للمستقبل يفرض على المؤسسات الثقافية الكبرى ورابطات الناشرين العرب ابتكار منصات رقمية موحدة وشراكات توزيع ذكية تتخطى الحدود الجغرافية لضمان تدفق الكتاب العربي للجمهور الروسي الشغوف.
وفي الختام، يظل معرض موسكو الدولي للكتاب في دورته الـ39 أكثر من مجرد سوق سنوية للناشرين، إنه في جوهره وثيقة حضارية تؤكد أن الأفكار لا يمكن فرض الحصار عليها، وأن الكلمة الطيبة تظل ثابتة الجذور مهما عصفت بالسياسة الأنواء. وحين تنطفئ أنوار مجمع “غوستيني دفور” العريق وتغلق الأجنحة أبوابها، لن تنتهي الرحلة، بل ستبدأ دورة حياة جديدة لتلك الحروف العربية التي ترجمت، والأفكار الروسية التي غاصت في عمق عقولنا، والخطوات الاستراتيجية لجيل روسي قادم ينطق بالضاد ويتنفسها علماً ومعرفة. لقد أثبت هذا اللقاء المشهود أن الثقافة لم تكن يوماً حليةً نتجمل بها في الرخاء، بل هي حبل النجاة الإنساني الأخير، واللغة العالمية الوحيدة التي تكتب التاريخ بمداد من النور، والضمير الحي الذي يجمع قلوب البشر على ضفاف نهر الفكر الخالد الذي يتدفق في شرايين الحضارتين الروسية والعربية دون انقطاع.





