- منصور السَرُوُرِي
منذ سبع سنوات لم تعد القرية تحصد ما تبذره عند بداية كل موسم.
ترمى حبيبات سنابلها التي ما إن تهتز الأرض وتخرج نباتها حتى يكون الجفاف قد أحكم قبضته على إحراقها.
يتحدث أهل القرية أنهم قبل أربع دورات جفاف، كانوا قد ذرؤوا حبوب الذرة، والدخن، والَّغَرِبِ.
حينها استمرت الأمطار تنهمر قرابة الشهرين، خلالها أخذت الأرض زخرفها، وتزينت حقول أودية الصلو وشعابه ومدرجاته باخضرار فاتن زغلل العيون حتى توقع الناس أنهم في تلك السنة لن يقدروا على حصاد ونقل سنابلها وحزم زرعها إلى أحواشهم.
لكن رويداً رويداً أخذت الأمطار تنقطع إلى أن توقفت تماماً، وأخذت الشمس وقيظ حزيران يجففان التراب، ويفرضان على الزرع الضمأ الشديد حتى احترق ذلك الاخضرار الفتان وسط الحقول، والشعاب.
لم يحصد الناس في تلك السنة سوى الخيبة، والخسارة، والتعب في إصلاح التربة وحراثتها.
وفي هذا العام إن لم يأت المطر ستكون حلقات الجفاف قد أطبقت دورتها الثامنة على نحو غير مشهود.
كانت غيول «الجاشعية وموقعة»، وبرك مياهها وعيون الينابيع تستحوذ على قلوبنا عند المرور عليها ومشاهدة الأطفال يسبحون فيها.
لعلك تتذكر كيف كان الجمل يغمره الماء داخل تلك البِرَكِ عندما ينظفها الجمَّالة.
اليوم يا صديقي، باتت السوائل جافةً جافةً، تمتلئ قنواتها بالتراب والنيس، وبركها تردمها الأحجار، والطحالب، ويرقات البعوض التي جعلت البلدة من أشهر مناطق اليمن الموبوءة بأمراض الملاريا التي تحصد بين وقت وآخر العشرات من الأهالي لا فرق بين صغير وكبير ولا بين أنثى وذكر.
إذ ترى تلك الغيول والأودية التي كانت أشباه سجاد أخضر وكيف صارت جرداء قاحلة سترن أجراس الذكريات معتصرة بالألم على ما لحقها من ظلم الجفاف.
الآبار قاربت أن تنضب، وليس ثمة دليل باق على أن شطوط الوادي وسفوح الجبل كانت إلى عهد غير بعيد واحات خضراء، ومراعي وارفة بالنبات تلتقي فيها الرعيان والمواشي والحب العذري.
حتى أشجار السدر والأثأب والطلح، اصطبغت أوراق وغصون وفروع سيقانها بلون الغبار، الغبار.
•••
تتوالى الأيام من شهر نيسان، والمعصرات تمر مرور البخلاء، لكأنها هي الأخرى استجابت أن تكون تلميذة ذكية في مدرسة البخل، فأضحت تشح من إخراج الودق منها.
لم يعد أمام أهل البلدة من مندوحة سوى الخروج من ربقة القلق والخوف الواقعين عليهم بالتخلص من المواشي الباقية بعد أن خلت أغلب الأحواش من كثيرها.
إن جميع الخيارات باتت غير قابلة للاحتمال والانتظار.
بيد أن الخوف هنا جعل الناس تعيش بين المطرقة والسندان.
مطرقة الإقدام على بيعها فيأتي المطر، وحينها لن يتمكنوا من استعادتها، لأن ثمنها سيكون قد ارتفع، وسندان الانتظار بإرجاء بيعها فلا يجيء المطر وتموت جوعاً.
إنهم غير قادرين على تحمل منظر موتها من الجوع.
لقد رأيت الأبقار تقرط الأعواد اليابسة بعد أن تكسرها بأظلافها.
حقيقي أن الجوع ولد داخل غريزتها حاجة الإشباع وحب البقاء.
إنها يا صديقي لم تعد تحمل صفة أو هيئة لشكلها الحقيقي، يمكنك أن تنعتها بأعجاز مواش خاوية.
لذا حسم الغالبية الأمر هذا الأسبوع، وبدأوا يسوقونها إلى مرباع «الدمنةِ أو الراهدةِ» بينما راح البعض يرسل للقماط أن يحضر لتثمينها وأخذها.
•••
إن والدك منذ منتصف نيسان، يدأب على ارتياد أكمة الجمنون، يمكث بجوار دارها المهجور منذ قرون مبهمة، يحدق في السحب ولا تؤوب غير قبيل المغرب.
إن الأمل يسكنه في أن العام الحالي لن يردف الأعوام السبعة المنقرضة.
سمعته ليلة أمس يرعد فوق سقف الدار:
_ نيسان أتى ومبكر يدق الأبواب.
بيد أن هذا الأمل طفق يتبدد إثر ذلك اليوم الـ 22 من نيسان.
راح يجمع ويلملم أبناء القرية ويدعوني وردمان أن نخرج معهم إلى فوق حطام دار أكمة الجمنون المهجورة.
أخذنا نردد:
_ ردمان: يا الله.
_ نحن: أسقِنا الغيثَ.
_ ردمان: يا رحيم.
_ نحن: ترحمنا.
_ ردمان: تُسقي.
_ نحن: بِلَدَنا.
أخذنا على هذا النحو وقتاً غير قصير.
_ ردمان: يا الله.
_ نحن: أسقِنا الغيثَ.
_ ردمان: يا رحيم.
_ نحن: ترحمنا.
_ ردمان: تُسقي.
_ نحن: بِلَدَنا.
وفجأة أخذت السماء تتلبد بالغيوم وتطوف فوق أسطح المنازل، لم تترك لأشعة الشمس أي فجوة تنفذ عبر منخلها.
يشير والدك علينا جميعاً رفع أصواتنا أكثر.
_ ردمان: يا الله.
_ نحن: أسقِنا الغيثَ.
_ ردمان: يا رحيم.
_ نحن: ترحمنا.
_ ردمان: تُسقي.
_ نحن: بِلَدَنا.
ليتك رأيت حال الأولاد وهم يصرخون بكل ما فيهم من طاقة.
كانوا يصرخون حد احمرار خدودهم وانتفاخ رقابهم وتوتر عضلاتهم، وأصابعهم في آذانهم، جباههم تنقبض وتنبسط، وأصداغهم تتمدد وتتقلص، رؤوسهم ترتفع ثم تنخفض بين أفخاذهم.
وفجأة دوَّت صاعقة برق كأنها نزلت فوقنا.
تفرقنا على إثرها كل إلى داره دون أن نلوي لصياح أبيك لإرجاعنا.
أعقبت صوت الصاعقة صواعق راحت تتابع هنا وهناك وفي كل الاتجاهات.
كلما بدأت تقل، كانت السحاب أخف في الانزياح والتواري خلف قمة الجبل تسوقها الرياح إلى أدراجها، وعيون كل كبد رطب تلاحقها بحسرة الوجع المرتوية من أنين جذور الأشجار وعروق أوراقها الظامئة، وشحوب صفائح الحقول الصدئة.
عاد ثلاثتنا إلى القرية، نسير بخطوات بطيئة منكسرة، يكاد ذقن والدك يلامس صدره.
استطعت قراءة سحنته، وشروع الأمل يتسرب من داخله وفي المقابل يستوطن اليأس محله.
من كان يصدق أن ينقضي الـ 22 من هذا النهار دون أن تمطر..؟
•••
توقف عن ارتياد أكمة الجمنون باستثناء يوم السابع والعشرين.
كان منظره عند رجوعه يثير الشفقة.
في مساء ذلك اليوم اتخذ قرار التخلص من الثور وبقية الأغنام.
سمعته ينادي ردمان أن يواجهه في الصباح لمرافقته إلى عند عبد الله قائد «قماط البلدة».
ليلتها يبدو أن خلافاً بينه وأمك قد نشب.
عرفت ذلك منه في صباح الـ 28 من شهر نيسان، عندما استظللنا تحت شجرة «الحُمَرِ» انتظاراً لـ المقوت.
أخذ يعدد الذين تخلوا عن المواشي، ويتذكر عدد الذين ماتت مواشيهم، ويصف حالة الأهالي الذين فقدوا ما كانت تدره عليهم من لبن وحقين وسمن، وكيف يبيتون لا يأكلون مع اللقمة إلا الماء..!
لمحته يطأطئ رأسه ليواري عينيه المتخضلتين بالدموع عني.
يخط بقشة من قصب الذرة فوق التراب ثم يردف مستتبعاً:
_ والله يا ولدي أخاف إن لم تلحق سكين الجزار هذه المواشي أن يأكلها الجفاف.
صمت برهة وأردف:
_ عمري ثمان وسبعون سنة لم يتكرر الجفاف كهذه الدورات السبع، يأتي الجفاف ثلاثي، رباعي، خماسي، سداسي، لكن ثمان دورات إطلاقاً لم تحدث، لم تحدث، حتى ربنا سبحانه وتعالى في القرآن الكريم قال سبع عجاف، ولم يقل ثمان.
وصل البدوي أخذنا منه القات على الحساب وانصرفنا راجعين إلى القرية، ورفض والدك الدخول معي إلى دارنا قائلاً: إنه سيخزِّن مع أمك كي يقنعها بما نوى عليه.
•••
في المساء جاءتني أمك، وسرعان ما طفقت الدموع تجري على خديها.
ظلت تحكي كيف أنها تعبت في تربية الثور والأغنام.
طلبتني أن أتدخل في إقناع والدك أن يتأخر على الأقل شهراً، فإن لم يأت المطر ستكون هي أول من يتخلى عنها.
لم تنصرف حتى قبلتني في رأسي ومسحت على رقبتي تؤمنني أن أثني والدك عن قراره.
لا تستغرب من موقف أمك وإصرارها على ضرورة تأجيل والدك لقرار بيع المواشي.
نعم لا تستغرب.
لقد سمعتها ذات يوم بينما كانت تحدث خطيبة أخيك ياسين:
_ على أبى سبعة وسبعون لعنة إن لم أعمل حفلة عرس يسمع بها القاصي والداني، شجلس أهل القرية يتحدثون عنها كلما يتذكرونها.
أدركت أنها قد رسمت صوراً ذهنية ظلت مخيلتها تحملها ليالي الشهور، ويستحيل في طرفة عين أن تتبخر تلك الصورة، أو تتلاشى أحلامها في أن تصنع حفلة لياسين تظل تفتخر بها أمام عجائز القرية والقرى المجاورة.
في هذه الليلة هجعت القرية يا صديقي، يعتورها السكون المقلق من الغائب الذي لم يأت بعد، من تكرار دورات الجفاف لأعوام أخر.
تتضارب الأنباء عن مصير أبناء هربوا من القرية قبل أسبوع لا يعرف أين حطت أقدامهم..؟
إيه يا صديقي، طالما شغلت كثيراً بقضية هروب الأطفال من مدارسهم، يظنون في ساعة غفلة من الوعي أنهم سيساعدون أسرهم، ولكنهم يتوهون في زحمة المدن.
البعض الذي يوفق بحرفة بالكاد تسد رمقه، بينما الكثير يتسكعون في الشوارع عاطلين عن العمل، ولا مصير ينتظرهم سوى المجهول الذي نسأل الله أن لا يضاعف المآسي فوق ما هي عليه أمهاتهم من مآس وأوجاع.
هجعت بمخاوفها القرية، تكاد زرايبها تخلو من خوار بقرة، أو ثغاء ماعز، أو نهيق حمار، حتى الحمير بيعت واستعاضت النساء عنها برؤوسهن.
يا إلهي، كم هي دورات الجفاف مظلمة موحشة..!
•••
استيقظت القرية خاملة في صباح الـ 29 من نيسان.
طلبت من ردمان أن يحيي الأمل داخل أبيك، بحسب وعدي لأمك.
رأيت الرجل يبتسم، ويقول:
_ لا تقلق.
سخرت من ابتسامته، من اعتداده بنفسه وأنه الأوحد الذي يستطيع أن يتنبأ بهطول المطر:
_ صدقتني يا حميد اليوم با تغرق الدنيا.
_ كيف..؟
_ ليلة أمس كنت سامراً فوق سقف الدار، جلس البرق يلمع أحياناً من خلف جبل صبر، وأحياناً فوق جبل سورق أكثر من ثلاث ساعات.
_ أيوه، ماذا تعني..؟
_ أعني باقي معنا عشرة أيام إلى نهاية موعد زراعة الذرة، على حساب الحميد بن منصور أربع من نيسان وأربع مبكري وأربع حزيراني خيرة الذري.
أنت اليوم راقب من فوق دار الأكمة قمة جبل الحشاء، وقت الضحى إذا رأيت سحابة «غبراء» مش بيضاء، لم تتحرك إلى وقت الظهر ابشر بالمطر يخزق ويمزق، أما إذا كانت بيضاء فهي مخادعة، وإن كانت غبراء وتحركت الله يعلم إلى أين ربك شيسوقها..؟
_ كيف يا عم ردمان..؟
_ لأنها إن لم تتحرك يعني أن الرياح هامدة، ستظل تكبر وتتجمع، وكلما اقتربت من وادينا وجبلنا تتأثر بالحرارة، لقد راقبت سنوات هذه التجربة كما كان الأوائل يعلموننا إياها، لم يحدث أن أخطأت في التقدير.
لم يكن ردمان يكذب فعلاً، كانت الحرارة شديدة في هذا اليوم.
في البداية اعتقدتها طبيعية نظراً للجفاف، إلا أنني سمعت والدك يصرخ في النساء اللاتي قابلهن في طريق عودته:
_ الليل يا مكالف، اتركن الهدرة إلى بعد الكنان.
ينصح هذه أن تكبس السقف، والثانية أن تدخل حطباً لأنها بدون غاز، وينادي على «ناجي» أن يثبت صفائح الزنك فوق «العريش» بأحجار أو جريد النخل والأخشاب لكيلا تعصف بها الرياح.
راح ناجي وبعض النساء ينفذون جل الاحترازات التي تسبق عادة سقوط المطر، بينما اكتفت نسوة من القرية بالتلاسن والسخرية الذي وصل من بعضهن حد المراهنة:
_ أنت يا عم حميد هكذا دائماً، تقول شينزل مطر، وبعدين ولا نرى منه قطرة يا هذا لو جرى من المسرب (الميزاب) نصف جلن ماء، شاطوف بك فوق ظهري على بيوت القرية باب باب.
رأيته يتفقد قن الدجاج ويمسح ظهر «زهر».
ذهبت إليه بعد الغداء، ظل يراقب «زهر» من النافذة.
إن «زهر» اليوم على غير العادة، شوف ذيله كيف منحني جهة ظهره مثل الدائرة، رأسه مرتفع فوق رقبته المتنصبة، عيونه جهة الشمال.
راقبته معه، كان يدور دورة كاملة، كأنه يختبر النسيم العليل تحت العريش، لم يعد إلى هيئته الأولى، يتحسس بأذنيه الهواء البارد، ثم يخور خواراً يحمل رنة البشارة بتابعه.
_ زهر، زهر، أقول لك اهدأ.
فيجاوبه بخوار.
تمر الساعات، معظم النساء متسمرات أمام شاشة التلفاز يتابعن مسلسل سنوات الضياع بينما السحب تغشى الوادي والجبل والقرية، وفجأة يحتجب قرص الشمس البرتقالي خلفها، وصار الفضاء أقرب إلى لحظات ما قبل المغرب.
يلمع البرق تعقبه زمجرة الرعد.
تخرج النساء والكبار والأطفال من داخل المنازل، راحت ترجع بصرها نحو الجبال التي اختفت بين غيوم وسحب ملئت جنبات الاتجاهات.
تلال، وجبال السحب مختلفة الألوان تتطاير منسلخة من بعضها وتلحق غائصة في أخرى.
تؤذن دقات فوضوية فوق صفائح الزنك للجفاف أن يتودعها.
تتسارع إيقاعات القطر، يقترب المزن، تختفي مدينة الراهدة عن العيون.
تصرخ النساء في صغارهن:
_ روحوا، روحوا، ارجعوا، المطر شقطعكم.
يقترب المزن ويقترب، تتبارى الأشجار في تحريك خصورها وتعرية سيقانها لقبلات المطر.
تفشل النساء السافرات من تكنين الحطب.
تنبعج السحاب منهمرة مثل بلورات في خطوط عمودية متوازية وغير متوازية، كأنها أسراب من الزجاج الشفاف تتسابق.
أخذ والدك يتقفز من نافذة إلى أخرى.
يطل من النافذة الشرقية على الجبل لا يكاد يرى سوى أكمة تتوشح بأسمال المطر، يشرف من النافذة الشمالية على الوادي فلا يلقى له أثراً، يفتح مصراع الباب فيلقى القرية ومنازلها رافعة أوعية أسطحها تتلقى الماء لتغسل درن سنوات الجفاف، يضحك على صفيحة زنك كانت تقاوم عاصفة المطر، ولما عجزت هوى بها المزن يعقب:
_ تستاهل صاحبتك، عارضتني وما صدقت وزادت راهنتني.
يقلب «حبات المسبحة»، يرفع صوته:
_ اللهم ارفع هذا البلد من هذا البرد.
يرجع الدعاء مرة ثانية وهو يتخاوص تساقط حبات البرد:
_ اللهم ارفع هذا البلد…
تقاطعه أمك:
_ من أين أتيت بهذا الدعاء..؟
كاد الخلاف يحتدم بينهما واقتضى واجبي الوقوف إلى جانبها… ولكنه قاطعني:
_ أنت دائماً هكذا، مثل صاحبك (كان يقصدك) تقفون إلى جانبها.
ويستتلي دعاءه بصوت أكثر ارتفاعاً:
_ اللهم ارفع هذا البلد من………
لكنه هذه المرة انتبه على ضحكاتنا، وابتسم ضاحكاً.
•••
أقلعت السماء ماءها، ولملمت التلال والجبل الماء إلى داخل مصبات السوائل.
خرجنا إلى أسطح المنازل وقطرات المطر لا تزال تتساقط.
يا لروعة الطبيعة كيف رسمت لوحة ناطقة بالجمال..!
يتدفق السيل في مجرى الساقية مثل أنهار من لبن غير مصفًى في السائلة الكبيرة، وأنهار صافية تجري نحوها، كأن ثغوراً سرية انبجست منها المياه.
امتلأت السواقي الزاحفة بالمياه وتدفقت صوب مداخل الحقول الصدئة.
لا أصدق، الأشجار تخلع جلد الغبار الذي كانت تتلبسه.
لك الآن أسمع يا صديقي خرير المياه عند شعيرات وعروق جذور الأشجار وهي تشفطه شفطاً من شدة العطش.
•••
ليتك رأيت أباك وهو يعتلي سطح الدار ليلتها، يسخر من مكذبيه، ويدعو زوجة «سعيد» أن تفي بوعدها، ويردف ضاحكاً ثم يعطس عطسة سمعتها القرى المجاورة.
_ أيوه يا حميد عبده إعطش لك أعطش…
أخيراً نامت القرية بهدوء في ليلة عاف نسيمها العليل سبع سنوات.
استلقيت بسقف الدار مُصغياً لسكون الليل المقمر المزدان بأصوات كانت قد احتجبت، أسمع صفارات وقرقرات، زمزمات ورقرقات تندمج مع حفيف الأشجار في الجبل مكونة مقطوعة لم يسمعها موزارت وبيتهوفن، تتشكل منها السيمفونية المفقودة، وإن أعظم ريشة فنان عاجزة كل العجز عن رسم صورة النجوم الساهرة فوق مرايا السيول الساهرة.
نامت القرية كأنها لم تكن تعرف النوم منذ وقت طويل.
تموز 2007.
مفاتيح توضيحية لبعض مفردات القصة
• الَّغَرِب: نوع من حبوب الذرة الحمراء الشائعة في اليمن.
• مرباع الدمنة / الراهدة: أسواق أسبوعية مشهورة في محافظة تعز لبيع المواشي والبضائع.
• الدمنة والراهدة: مدينتان تقعان في الاتجاه الجنوبي الشرقي لمدينة تعز (تبعد الدمنة نحو 31-35 كم، والراهدة نحو 46-50 كم عن مدينة تعز).
• القماط: تاجر المواشي الذي يتجول بين القرى لشراؤها وبييعها.
• الحُميد بن منصور: حكيم وفلاح يمني قديم تُنسب إليه أشعار وأمثال شعبية في الزراعة والمواسم خاصة في المناطق الشافعية بإب وتعز ولحج ويافع.
• الحُمَر: شجرة التمر الهندي.
• الكِنَان: المأوى أو السقف الذي يُحْتَمى داخله من المطر والبرد.
• زَهِْرْ: اسم يطلق على أحد أنواع الثيران كونه يشبه زهرة برتقالية اللون (مثل ثور “ذهب” المائل للذهبي، و”حُمَام” الأبيض الفاتح، و”نُجيم” الأحمر بذرة بيضاء، و”سَعْد” الأبيض الداكن).
• الجاشعية وموقعة: الجاشعية شط كبير يربط بين مديريتي خدير والصلو، تجري عند ضفافه السيول القادمة من دروب جبل حيران بالصلو، وتلتقي مع سائلة موقعة وورزان قرب جسر عقان بمحافظة لحج.
• جبل صَبِر: أحد أشهر جبال محافظة تعز وأعلاها.
• جبل الحُشَاء: جبل كبير يقع في مديرية الحُشاء، وهو شائع في الموروث الجغرافي للتعابير المطرية بالمنطقة.
• جبل سورق: جبل ملاصق لجبل الحُشاء يتبع مديرية السبرة بمحافظة إب.
• دار الأَكَمَة: الأكمة هي التل أو التلة المرتفعة، ورُكبت هنا كاسم علم لموقع مهجور في القرية.
• سائلة موقِعَة وورزان: مجرى مائي كبير يخرج من بين سفوح جبال صبر وسامع والصلو ويجري داخل مديرية خدير، حيث يلتقي بسوائل قادمة من قاع الحوبان والجند وماوية، وتستمر بالجريان حتى تدخل محافظة لحج وتلتقي بسيول وادي بناء لتصب في دلتا عدن الشرقية.
• جبل حيران: جبل انبثق متمدداً من جبل الصلو؛ وسمي “حيران” لأنه الجبل الوحيد الذي خرج عن السلسلة الجبلية شمال الحجرية الممتدة من جنوب جبل صبر فجبل سامع والصلو وشوكة بالأعروق والجاح بالأعبوس وصولاً لجبال القبيطة. تقع عليه وحوله وأسفله قرى كثيرة تابعة لمديرية الصلو.
• خدير: مديرية منبسطة يمر عبرها طريق تعز-عدن، تكثر فيها الأودية والأوهدة والقيعان وأحجار البناء الملونة، وتقع فيها مدينتا الراهدة والدمنة.
• جسر عَقّان: جسر استراتيجي شهير في محافظة لحج.
• أربع من نيسان، وأربع مبكري، وأربع حزيراني، خيرة الذري: تقويم زراعي ومقولة شعبية تُنسب للفلاح الحكيم الحميد بن منصور، تحدد أفضل أوقات بذر الذرة.
• المسْرُب: الميزاب الذي يصرف مياه المطر من أسطح المنازل.
• المقوت: بائع القات.
• الحقين: اللبن المخيض.
• المكالف: النساء والحرائر في التعبير الشعبي لمدينتي تعز وإب.
• الهدرة: الكلام الكثير والحديث الفارغ.
• شاطوف / شينزل / باتغرق / شقطعكم: أفعال ومفردات للاستقبال بلهجة تعز/إب (سأطوف بك / سينزل / ستغرق / سيقطعكم المطر).
• إعطش لك اعطش: عبارة شعبية تُقال عند العطاس الدعائي أو المزاح.





