
- بقلم: منصور السروري
كثيراً ما فكرت بكتابة مقالة عميقةٍ ومُكثّفة تُشخّص فلسفة “اقتصاد الانتباه” وما فرضته الخوارزميات (المعالجات البرمجية) من تحولات بنوية في السلوك الإنساني، وتضعنا أمام الجرح الحضاري للزمن الرقمي، حيث لم تعد الإشكالية مجرد “غياب القراء”، وإنما باتت تُعيد تشكيل الوعي الجمعي ليصبح أكثر ميلاً للسطحية، وأشد حذراً من العُمق.
يقف الفكر اليوم على أطراف أصابعه في ملكوت الضوء الزائل، يرقب بذهول ذلك الفضاء الزجاجي الأزرق حيث تموج المحيطات الرقمية، وتتلاطم فيها الأشباح العابرة.
يقف الكاتب والمفكر أمام مفارقة شاحبة؛ جدران ثقيلة من النصوص المعتقة بماء الحبر والروح تتسلل بوقار هادئ عبر أوردة الشاشات، فيعبُر بها ملايين العابرين دون أن يتركوا خفقة زجاجية واحدة أو إيماءة ضوئية تُذكر.
ولفهم إشكالية هيمنة التفاهة في المجتمع الرقمي نمحور هذه المقالة على النحو أدناه.
أولاً: تعريف إشكالية هيمنة التفاهة في المجتمع الرقمي
هي تحوّل المحتوى السطحي والأنشطة قليلة القيمة الفكرية أو الأخلاقية من مجرد ترفيه هامشي إلى نمط حياة ومعيار أساسي للنجاح والشهرة والتأثير، حيث “التفاهة” لم تعد مجرد سلوك فردي، بل أصبحت نظاماً هيكلياً تُغذّيه الخوارزميات للمنصات الرقمية وتراكمات اقتصاد الانتباه، حيث تُمكّن السطحي وتُهمّش العميق.
وبصيغة أخرى يمكن تعريف إشكالية هيمنة التفاهة بأنها “أزمة بنيوية تؤثر على المعرفة والتواصل الإنساني، وتج جعل الاستهلاك اللحظي متقدماً على البناء الفكري والثقافي المستدام”.
إنها الفجوة الموحشة بين وصول شاسع ينسرب كالمطر في الرمل، وبين صمت رقمي حاد لا يُسمع فيه سوى صدى السرد المعزول.
ليس هذا الجفاف الرقمي زاهداً في المعرفة ولا خلوةً للروح، بل هو طبيعة الفكر الحي حين ينزل على عقول تقتات على إيقاع العجلة.
ثانياً: مظاهر إشكالية هيمنة التفاهة في المجتمع الرقمي
تبرز المظاهر الرئيسة لإشكالية هيمنة التفاهة، وعزوف التفاعل مع محتوى النخب في زمن المجتمع الرقمي بالمظاهر التالية:
أ _ اقتصاد الانتباه
يعرَّف اقتصاد الانتباه بأنه نموذج اقتصادي يُعامل انتباه الإنسان ووقت تركيزه كسلعة نادرة وثمينة، تتنافس المنصات الرقمية والتطبيقات على جذبها واحتكارها لتحقيق الربح.
نعم .. تعتمد الشركات الرقمية على تصاميم تسعى لجذب انتباه المستخدم لأطول فترة ممكنة، وتُغذّيه المعالجات البرمجية على معيار “الإثارة والانتشار” بدلاً من “الجودة والفائدة”، مما يجعل المحتوى الصادم أو السطحي أكثر رواجاً وربحاً.
تمتد يد هذه المعالجة الآلية البرمجية لتستكمل الخناق؛ فهذه المنظومات العاتية صُممت لمكافأة المحتوى البصري خاطف الأبصار واستفزاز الغرائز العابرة لضمان بقاء المستخدم أطول فترة داخل المصيدة الضوئية، بينما تُنزل العقاب بالنصوص الممتدة العملاقة التي توقف عجلة التصفح الشره وتدعو القارئ للسكون.
يهرع الجمهور بلهفة بدائية نحو المنشورات التي تنضح بالدمع الذاتي والحكايات العابرة، حيث تسكب الأرواح وجعها الخاص فتنهال عليها مئات الآلاف من الإعجابات والمشاهدات كالغيوم السخية، أو صور هشة لأظافر مصبوغة تسأل صاحبتها عن اللون الأنسب أو أسئلة مجوفة عن أحوال الطقس كأنها مجرة تدور في فلكها آلاف التفاعلات اللحظية لمجرد أنها محتوى خفيف ينزلق على السطح بلا عناء، بينما تقف المقالة الفكرية كمنارة قديمة تلعق الريح على شاطئ مهجور.
ب _ تزييف موازين القيمة والأهلية
أدى صعود المنصات إلى إعادة تعريف معنى “الخبراء” و”النخب”، حيث أصبحت القيمة تُقاس بعدد المتابعين والمشاهدات وليس بالمعرفة والخبرة، مما قاد إلى ما يُعرف بـ “سلطة السطحيين” أو نظام صانعي المحتوى دون مادة.
تتسلل النفعية والمصلحة لتشكل الوجدان الرقمي، إذ تحولت الإعجابات إلى عملة اجتماعية تُستثمر للتقرب من مراكز السلطة والمال.
يركض المتابعون نحو حسابات الشخصيات الاعتبارية وأصحاب النفوذ، يمطرون منشوراتهم الهزيلة بكلمات الثناء والتفخيم، لا تقديراً لفكر أو أدب، بل طمعاً في خطوة تفتح أبواب الحضوة عند السلطة أو رباط المنفعة عند الأغنياء.
وفي الظلال المظلمة للتكتلات الحزبية والتنظيمية، يتبدى التفاعل كطقس تعبدي أعمى؛ حيث تمارس الكوادر المؤدلجة عمليات تحشيد لمساندة ودعم أبناء تنظيمها بكتل صلبة من الإعجابات والتعليقات، ليُرفع كتبة الجماعة على أسنة الضجيج وتُصدّر نصوصهم وإن كانت غثاءً لا يسمن ولا يغني من جوع.
يُمارَس زر الإعجاب هنا كواجب تنظيمي حزبي صارم لا يدع مجالاً للذوق أو الحقيقة خاصة لدى التنظيمات الإسلاموية على اختلاف تنوعاتها السياسية، في إزاحة صريحة للكفاءات والنخب المعرفية الحقيقية.
غير أننا سنلاحظ أن هذه المنظومة ذاتها، المستعدة لرفع الموالين، هي ذاتها التي ستنقلب في لحظة خاطفة لتنهش الكاتب وتسقطه من علياء برج الثناء إن هو تجرأ على مغادرة السردية الحزبية أو انتقد الصنم الأيديولوجي، كونه مجرد فكر جمعي لا يطرب لصوت الحرية بل يطالب الصدى بأن يكرر صوته فقط.
ج _ تسطيح الفكر والوعي الجمعي
تتسبب المادة السريعة والقشورية في تراجع القدرة على التفكير النقدي والقراءة الممتدة، وتؤدي إلى اختزال القضايا المعقدة في مقاطع قصيرة أو وسم (هاشتاج)، مما يضعف التحليل والوعي الثقافي.
إن النص التحليلي الرصين نهجاً بحثياً، وعمقاً معرفياً، وتأصيلاً علمياً يشبه إلى حد كبير جلمود صخر حطه السيل من أوج البلاغة؛ يتطلب من القارئ توقفاً تأملياً، وجلوساً في ظلال المعنى، وإعمالاً لشرارات الذهن المتعبة.
وحده القارئ الجاد القادر على امتصاص الشهد في صمت، واختزال الفكرة في طيات ذاكرته دون استحضار رغبة غريزية في تفريغ انطباعه المعرفي داخل أزرار هشة تفوح بالزيف والتصنيع.
يقف الكاتب أمام مفارقة شاحبة حيث تتسلل النصوص المعتقة بوقار عبر أوردة الشاشات، فيعبر بها الملايين دون ترك إيماءة ضوئية، ليتولد صمت رقمي حاد لا يُسمع فيه سوى صدى السرد المعزول وسط هذا التسطيح المتزايد.
د _ محور السلعية والشرط الاجتماعي
يتحول الأفراد في هذه البيئة من منتجين ومفكرين إلى أرقام استهلاكية، حيث يُصبح المبتذل مقبولاً ومُقلّداً كونه الوسيلة الأسرع لتحقيق الترند والمكاسب المادية.
تتسرب إلى هذا المشهد أرتال من الغيرة المعرفية وضغائن النخبة؛ فالمعارض الفكري أو السياسي يقف أمام النص الرصين المكتنز بالبلاغة والحجة موقف المبهور المشدوه، لكنه يمارس البخل الإرادي ويحتجز إعجابه كي لا يمنح خصمه إكليلاً من الشرعية أو اعترافاً بتفوق طرحه.
إنه صراع صامت يُدار بأزرار المحو والإهمال، وتتمدد هذه الخشية حين يدرك المتابع الدقيق أن ضغطة زر واحدة على خيار الإعجاب ليست سوى نداء استغاثة سينتقل إلى خلاصات أصدقائه، موجهاً بوصلتهم نحو النص الرصين لتتسع دائرة نفوذ الكاتب، فيلجأ المتابع إلى الكتمان الطوعي لخنق الفكرة في مهدها والحيلولة دون تدفق مياهها.
تتجذر هذه العزلة أيضاً في حذر أيديولوجي وسياسي يتوسد الخوف؛ فالقراء يمرون على المحتويات الرقمية بالسوشيال ميديا مرور الغرباء بين الطرقات، يستجدون الضوء من خلف نوافذ مغلقة.
كثير منهم يفضل القراءة الخفية للسطور الحارقة تجنباً لترك أثر ضوئي قد يتحول في غدٍ قريب إلى وثيقة إدانة أو بطاقة انتماء يجره إلى صحارى السجالات العقيمة، مفضلين الاحتماء بالظل على أن يُشعلوا سراجاً يرشدهم إليه عسس الرقابة السياسية والاجتماعية.
وتشير الخرائط الرقمية المقفرة إلى أن السواد الأعظم من ساكني هذه المنصات البراقة ليسوا سوى أرواح صامتة، مشاة يكتفون بإلقاء النظر ثم يمضون نحو العتمة، بينما تتحرك أصابع التفاعل في مساحات ضيقة ومحسوبة، تُحركها دوافع غريزية أو تحالفات شبكية مكشوفة ليتحول الفضاء الفكري إلى سوق محكوم بالشرط الاستهلاكي.
كما تتدخل طبيعة الجمهور النخبوي المستهدف بالمقالات الطويلة التي تتسم بضيق الوقت وضعف الانتظام في استخدام المنصات، مما يجعل تواجد هذا القارئ لا يتقاطع دائماً مع لحظة النشر، فتضيع المقالة تحت ركام التدفق الإخباري المزدحم والمستمر.
ثالثاً _ النتائج المترتبة لهيمنة التفاهة
لا يمكن معرفة النتائج أو الآثار المترتبة لسيطرة التفاهة وإزاحة النخبة إلا إذا ما عقدنا مقارنة بين المحتوى النخبوي، والمحتوى السطحي للأوجه التالية:
1 _ المطلب الذهني والأثر
يطالب النص الفكري القارئ بسكون وتوقف تأملي يغرس جمرته بعمق في وعي القارئ الصامت بعيداً عن ضجيج المنصات ليتورق الفكر وتكتمل الحقيقة، بينما يكتفي المحتوى السطحي باستجابة عاطفية خاطفة تنزلق على السطح بلا عناء وتنتهي بانتهاء اللحظة الاستهلاكية دون أن تترك أثراً يُذكر.
2 _ سلوك المعالجات البرمجية:
تُنزل المنظومات الآلية العقاب بالنص النخبوي لأنه يدعو القارئ للسكون ويوقف عجلة التصفح الشره فتقتله في زوايا الإهمال، بينما تُكافئ المحتوى السطحي الخفيف وتضخمه وتضعه في صدارة التدفق الإخباري لأنه يضمن استمرار دورة الاستهلاك داخل المصيدة الضوئية.
3 _ دوافع التفاعل:
يواجه المحتوى النخبوي جفافاً وتجاهلاً مُتعمداً تُحركه الغيرة المعرفية، الكتمان الطوعي، والخوف من الرقابة؛ في حين يُحرك التفاعل مع المحتوى السطحي والهش دوافع غريزية بدائية، أو مجاملات انتهازية للتودد لأصحاب النفوذ، أو طقوس تحشيد حزبية أيديولوجية لا تدع مجالاً للذوق أو الحقيقة.
أخيراً … ينبغي على كل كاتب حقيقي ألا يبتئس أمام هيمنة ثقافة التفاهة، ومحتوياتها الهابطة، فالمقال الرصين لا يطلب خلوداً زائفا في عدادات الإعجاب الهشة، بل يغرس جمرته في وعي القارئ الصامت.
وهناك فقط، بعيداً عن ضجيج المنصات، تكتمل الحقيقة فيورق الفكر، ويُزهر الوعي، ويجني المجتمع ثمار الصيرورة والسيرورة داخل المجرى الصحيح للحضارة الإنسانية اليوم.





