فيما يشبه القراءة لكتاب «معنى الأشياء»

- أ. د. قاسم المحبشي
(نحتاج الى الفلسفة كي نستطيع رؤية الأشياء التي نعيشها كل يوم في حياتنا)
_ جان جاك روسو
أحيانًا لا تحتاج الفلسفة إلى غرفة دراسة، ولا إلى مكتبة، ولا إلى كتاب من كتب أفلاطون أو كانط أو هايدغر كي تبدأ. قد تنقدح في مكان أكثر تواضعًا بكثير: في كابينة تبديل الملابس داخل مسبح مغلق، حين يكتشف المرء فجأة أنه نسي الشيء الوحيد الذي لا يستطيع الاستغناء عنه لكي يمارس الفعل الذي جاء من أجله!
وهذا هو الذي حدث معي ذات أحد . أغلقت كابينة التبديل، ووضعت حقيبتي على العارض الخشبي، وخلعت ملابسي الخارجية والداخلية، ثم فتحت الحقيبة لأرتدي سروال السباحة «المايوه» كما أفعل كل يوم أحد. كانت الحقيبة ممتلئة بالأشياء التي اعتدت حملها معي: المظلة، وقنينة الماء، وسترة المرور، والمنشفة، والصابون، وبدلة المطر، وكوفية شتوية، وشال الرقبة الواقي من الرياح، وبعض الفاكهة وأشياء أخرى كثيرة. فتشت بين هذه الأشياء جميعًا بحثًا عن شورت السباحة الكحلي، فلم أجده!
فكرت في أي حيلة فلم أجد وسيلة تمكنني من دخول المسبح فما كان مني إلى ارتداء ملابس على مضض مع لعن كثير للشيطان الرجيم طبعا الذي كان سهّاني عن وضع الشورت في الحقيبة بسبب العجلة فتذكرت المثل الشعبي الذي كان يردده أبي رحمة الله عليه : «في العجلة الندامة، وفي التأني السلامة»، وتذكرت أيضًا أمي الحبيبة، رحمها الله، وهي تقول لي: «العجلة من الشيطان يا بني» فما قيمة الأشياء التي نحملها إذا غاب الشيء الضروري الذي يجعلها ذات قيمة ومعنى؟ وبدون العقل لا قيمة ولا معنى للجسد المنتصب القامة. وبدون الصحة والعافية يصعب على الكائن القيام بإعماله وبدون تأمين الخبز والحرية تفقد السياسة معناها وبدون قدرة العريس على القيامة بوظيفته الزوجية لا معنى ولا قيمتى لكل الاشياء والاحتفالات الصاخبة وبدون إن يفهم التلاميذ الحروف الابجدية والأرقام الحسابية فلا قيمة ولا معنى للمدراس والمدرسين والكتب والأقلام والحقائب والملابس المدرسية. وبدون تلبية الحاجات الأساسية للحياة كما وضعها ماسلو في هرمه الشهير فلا قيمة ومعنى للحياة الاجتماعية الجديرة بالعيش وتلك هي المسألة التي ناقشها كتاب «معنى الأشياء» للفيلسوف الإنجليزي إيه سي غرايلينغ ترجمه إلى العربية أحمد الزناتي عن دار منشورات الحياة ، القاهرة 2021م
الكتاب يبدأ من هذه النقطة تحديدًا: الإنسان يعيش وسط أشياء وأفعال وقيم تبدو مألوفة إلى درجة أنها تفقد قدرتها على إثارة السؤال. نحن نحب، ونكره، ونخاف، ونكذب، ونتسامح، وننتقم، ونحزن، ونأمل، ونموت، لكننا نادرًا ما نتوقف لنسأل: ما الذي نعنيه حين نقول الحب؟ وما الذي يجعل الانتقام مختلفًا عن العدالة؟ وهل الخوف دائمًا علامة على الضعف؟ وهل السعادة غاية مستقلة أم نتيجة لطريقة معينة في الحياة
إن الشيء لا يأخذ قيمته فقط من وجوده، وإنما من موقعه داخل منظومة من العلاقات والغايات. فالمنشفة مهمة في المسبح، لكنها ليست أهم من الشورت بالنسبة إلى إمكانية السباحة. والكتاب مهم في المدرسة، لكنه ليس أهم من قدرة الطالب على القراءة والفهم. والدستور مهم للدولة، لكنه لا يساوي شيئًا إذا لم تتحول مواده إلى ممارسة سياسية واجتماعية.
وهذا يقودنا إلى التمييز بين الوسائل والغايات.
مشكلتنا العالم العربي أننا أصبحنا بارعين جدًا في إنتاج الوسائل، لكننا أقل براعة في تحديد الغايات. نملك التكنولوجيا، ولكننا لا نعرف دائمًا ماذا نريد أن نفعل بها. نملك الجامعات، لكننا لا نتفق دائمًا على نوع الإنسان الذي نريد أن تنتجه. نملك وسائل الاتصال، لكننا نعاني من سوء التواصل. نملك كميات هائلة من المعلومات، لكننا نفتقر أحيانًا إلى المعرفة والحكمة.
كتاب معنى الأشياء لا يريد أن يجعل الفلسفة لعبة أكاديمية منفصلة عن الحياة المعيشية للناس، بل أعادها إلى الأسئلة التي نعيشها كل يوم. والحياة اليومية، في الحقيقة، ليست شيئًا عاديًا كما نظن؛ إنها المختبر الأول للفلسفة.
وتكل هي وظيفة الفلسفة بحسب تعبير المنور الفرنسي، جان جاك روسو إذ كتب: ( أننا بحاجة الى الفلسفة كي نستطيع رؤية الأشياء التي نعيشها كل يوم) فالخير والشر والحب، والخوف، والموت، والسعادة، والعدالة والحرية ، والتسامح، والكراهية، والتعليم، والسياسة، والدين، كلها أشياء نعيشها قبل أن نفكر فيها. ووظيفة الفلسفة أن تجعلنا نتوقف قليلًا أمام ما اعتدنا عليه، وأن نسأل: لماذا؟ وما المعنى؟ وما القيمة؟ وهل الوسيلة التي نستخدمها تحقق الغاية التي نريدها؟فما قيمة الحرية إذا لم يجد المرء ما يسد رمقه؟
واليكم خلاصة مأزق العدالة والحرية كما جاءت في كتاب فيلسوف الحرية 1959.حيث تتحدث عن شاب فرنسي اسمه “برنار” عاطل عن العمل منذ ستة اشهر.. اصبحت ثيابه مهلهلة, فلم يعد يجرؤ على الخروج من منزله, هل اتفق لاحدكم ان بقي اياما طويلة في سريره وهو يشعر بانه لم يبق له وجه انسان في عالم يرفض ذراعكم؟ لقد كان برنار يسمع قرقعة مواعين أمه في الجانب الأخرمن الحاجز وانه يعيش على نفقة امه, وقد خرج مرة اخرى الى السوق ورفضه المشرفون على العمل لانه شديد الضعف فليس بمقدوره ان يكون عاملا منتجا وفي المكتب نظر رئيس الدائرة الى حذائيه المثقوبين وقال ساخرا: “لا عمل” ةفي الغداة الساعة السابعة صباحا تسلل الى مترو “سان لازار” ساعة استئناف العمل, وكان الجميع مرتبطين بساعة الجدار منهمكين في اعمالهم اما هو, فانه حر انه حر يستطيع ان يفكر في فيزياء “انشتاين” او في “الحمل بلا دنس” وفي تلك اللحظة شعر خاصة بانه حر في ان يختار بين صنبور الغاز وسكة حديد المترو!.الساعة السابعة صباحا, بدأ نهار انسان حر لقد دُهس انسان في خط المترو ان برنار انسان حر بين اناس احرار وقد سحقته هذه الحرية !.ويعلق الباحث على مفهوم الحرية المنطقية قائلا: ان العاطل عن العمل حر لانه غير مرغم على الرضوخ لاوقات العمل.. لكنه عبد لانه خاضع لقسر البؤس.. هو حر في ان يبحث عن العمل يستطيع اصحاب العمل حجبه عنه وهم احرار, هذه هي حرية الشعوب المسماة “حرة”.اجل ان لبرنار حرية في ان يذهب اين يشاء, وان يفكر كما يريد, فان شيئا في الظاهر لم يكن يحد من حريته, لكن ما نفع هذه الحرية المنافقة السدى؟ ما نفع هذه الحرية الصورية السيكولوجية التي لا تشبع ولا تغني من جوع؟ أن الأمر المهم هو الذي يعوزه ليتمتع بها, العمل وتأمين القوت اليومي والطمأنينة على الغد.. انه لا يستطيع سوى اجترار بؤسه وخجله, بدلا من العناية يالخيرات الثقافية التي تقدمها له الدولة الرأسمالية, من حدائق ومتاحف عظيمة وجميلة ومكتبات عامه, وصحف ومجلات ومختلف وسائل المتعة والاستمتاع باوقات الفراغ أن جاهزيته التامة تخفي عدم جاهزية تامة.. وما حريته سوى سراب, وعلى هذا فان “ظاهر الحرية التامة التي تقدمها الليبرالية الاقتصادية واوقات الفراغ غير المحدودة ووسائل الرفاه انما تخفي اقصى العبودية” هذا النص يكثف مشكلة الحرية الصورية التي انتقدها ماركس انذاك, هذه الحرية التي لا تكتسب معناها الا بوجود العدالة الاجتماعية, العدالة في توزيع الخيرات المادية في المجتمع, الخيرات الضرورية الاولية لاستمرار الحياة البيولوجية, كي يستطيع الانسان ان يحس بمعنى الحرية وقيمتها ويستمتع بها في حياته اليومية.أعطني العداله الاجتماعية وخذ كل الحريات في العالم. فالعدالة تشمل الحرية والتمتع بها. وبهذا المعنى يمكن أن نفهم أن الحرية هي انعدام القسر وتوافر البدائل لتختار الإرادة بينهما أي القدرة على عدم الإجابة على وضع معين إجابة واحدة ووحيدة يمكن التنبؤ بها من الناحية الثيولوجية اللاهوتية أو العلمية السيكولوجية.ان الانسان هو اولا وقبل كل شيء حرية, حرية تتطلب ان تحقق تتطلب ان يعترف بها, ان يكون لها وجودها الشرعي في وسط هذا العالم ضمن الشروط الاجتماعية والتاريخية والاقتصادية.ان الشروط التاريخية الاقتصادية ينبغي ان تهيئ الجو الضروري للمزيد من التحرر والخلق والابداع, لا ان تكبل حرية الانسان بقيود سياسية واقتصادية غير انسانية.





