- محمود ياسين

يمشي بين الجامع والبيت
محني القامة وهو كان قاسم بن احمد ياسين
الرجل مجسدا وهو من صوته في الماضي يخبرني أن سلاح النمر إيده .
أبي الذي صفعني ذات مساء بين مغرب وعشاء الدنوة وأنا العب دور كلفوت مأرب عندما ألامس سلكي السالب والموجب لكهرباء القرية فتغرق في الظلام ، كنت لحظتها أفتعل خرابا يمنحني وظيفة ومشروعية التجول في بيوت ظلام ودهاليز الدنوة بحثا عن الالتماس ، الشرك الذي افتعلته لكي اقتحم مساءات الوعود في الظلام والأتاريك .
لاتزال أذناي تطن من صفعة رجل هو الآن في التسعينات من عمره ، لا يكف يعيد السؤال ذاته للمرة العشرين عن ذات الحدث ، وأخبره أن الحوثي سيكون طيب القلب يوما ما وأن هادي قد تزوج بفتاة صغيرة في الرياض ، وأن أحدهما سيسبق الآخر لحضور صلاة العشاء في جامع الدنوة ويقرأ عليهما أبي : أزفت الآزفة ، ليس لها من دون الله كاشفة .
لديه جاكت أشتراه عبداللطيف أخي من خميس مشيط ، وهو يحمل في يده اليمنى عصا يتوكأ عليها ويهش أغنام الزمن الأخير .
تشوشت ذاكرته ومعني بما إن كنت قد بعت الجنبية التي منحني تقديرا لبقائي في اليمن بلا غربة ، وأحلف للمرة المائة أن الرجل لا يبيع جنبية أباه وأنني رجال استجابة لأربعين عاما من الأبوية المختصرة في أمر أثير : قع رجال
أنا حاولت يا أبي ، ياذا اليدين المرتعشتين والجبين الداكن بتاريخ الزرع والعناء وهذا التكرارا السرمدي لشتاءات قرية الريح ، لكن هذه الأيام لا تمنح أحدنا إمكانية أن يكون رجلا جيدا ، بهذه الاختبارات الأليمة وكل الضجيج .
يسألني للمرة العشرين : أذن عصر ؟
بينما تصيح أمي من ركن المجلس : ياذا شغلتنا خلى ابنك يخزن .
طعم القات بمرارة الهزيمة يا حاج قاسم بن احمد ياسين ، أنا وفقا لتساؤلاتك ما إن كنت لا أزال صحفيا ، لا اعرف حقا لكنني موقن بإصابتي بالزهايمر ، وأنني صحفي لازلت ولكن بلا صحف ، ووطني على أنقاض وطن ، ولقد حاولت جهدي أن أكون رجلا ولقد خذلت يدي وانا أتقمص دور النمر ، لكنني بلا مخالب ولا أنياب
أمضيها في ذاكرتك ، حياة رجل في تسعينات أبيه ، ووجلا في عاطفة امه التطهرية وهي تحيل كل دنيا مقدمة لنمط من الإثم .
يقول : ماكانوش علاذي بيت حميد الدين ، خلاني اروح اتوضي وأرجع اخابرك
وأنصرف بعدها للهجس في كثبان ومغرب اليمن وكأنني يتيمات الحكاية اليمنية السبع ، وأردد من جلستي عاجزا ووحيدا : أباه أباه كم لك تبول ، اسقيت عنه ووادي السحول .
مو وقع بينك وبين الروضي ؟ قلت ياابي الروضي لقب من بني أمية ، هذا اسمه المرتضى عند عبد الرحمن جلب ، وبن جلب ملك وبن ناس .
قال : ومو يقع له عبد الملك الحوثي ؟ قلت : يقول إنه بن خالته .
اسمه ” أبو أحمد المرتضى ” شخص بلا قيمة ويتكلم عن الشرف ،
قال أبي : ابو زب الحمار ،
عندها سادت لحظة انفعال كبرياء جريح .
قال : ومو قال لك واتحديك ؟
قلت : هذا يجمع زلط لجيبه ويقول للجبهات واتطاول على ابن الفقي سعيد ، قال : وانته يا ولدي مو قلك ؟
قلت : قلت له والله لقوم اكسر التلفون بوجهك ياساجي العيون .
قال أبي : رجال .
اليمن يا أبي تهصرني من الداخل ، تذلني وتدمغني بإثم الخذلان ، لقد اسقطناها أرضا أيها الشيبة يا ذا الهمهمات والذاكرة المعطوبة والقلب الذي لاينام .
في كل خطوة بين الجامع وبيتنا يا أبي ، تتعامد الشمس على جبيني وتجلس آلهة الشمس وحيدة بلا رعية ولا مطر .
وأنت تمضي نحو البيت ، في انتظار نهاية لائقة برجل يحدق في خطواته صحفي يقول إنه من صلبه ، وأن اليمن التي أنجبته قد تحولت لشكل من العصيان .
النهايات موجعة يا أبي .




