
- كتب: عبدالرحمن دغار
رواية تاريخية مهمة تؤرخ لفترة يمنية حافلة بالكثير من الأحداث والصراعات، وتصور جزئية مهمة من الصراعات الإيديولوجية والمذهبية لهذا البلد الذي يعج تاريخه بالكثير من الحروب والموت من أجل السلطة. وتسرد رواية “وقش” الكثير من الأحداث بدءاً من العام 450 للهجرة حتى العام 614 هجرية، أي أنها سلطت الضوء على 64 سنة من عمر اليمن.
أما المكان فكان غير مستقر من حيث الجغرافيا الكبيرة لما يسمى حينها باليمن الأعلى (صنعاء، صعدة، عمران، الجوف، ذمار، وكل مناطق الشمال) واليمن الأسفل (تعز، إب، وتهامة، وكل المناطق الوسطى). واعتمدت الرواية على طريقة سرد مختلفة ومتميزة وسابقة أولية في الكتابة الروائية، خصوصاً أنها رواية تاريخية؛ حيث تم عنونة مضامينها بأسماء عدد كبير من أبطال الرواية أو أشخاصها في تلك الحقبة الزمنية التي ألقى الراوي عليها عدسته، وقدم لنا موجزاً تاريخياً وسياسياً وفكرياً واجتماعياً عن تلك الفترة وحكامها وما شابها من أحداث لها الكثير من الارتباطات المحلية والخارجية سياسياً ودينياً.
واعتمدت الرواية في بنيتها على طريقة استخدام أكثر من راوي داخل النص بالإضافة إلى راوي أساسي وهي “زهراء”، ويتداول أشخاص الرواية الحديث عن أنفسهم وعن الأحداث التي يمرون بها؛ بدءاً من عبد الله بن حمزة، وأحمد بن سليمان، ونشوان بن سعيد الحميري، وعدد كبير من الأسماء الذين كانوا شخصيات حقيقية في بنية الرواية. ولم يكتف الراوي بذلك بل جعل من الأماكن جزءاً من الرواة كما هو حال “وقش”، وجامع الشمس، وسناع، وغيرها.
وتمنحنا الرواية الكثير من المشاهد عن عدد من الدول التي حكمت اليمن في تلك الفترة؛ بدءاً من دولة الصليحيين التي كانت في البدء تتواجد في حراز وكانت صنعاء تحت حكم السلطان الضحاك الحاشدي، وكان هناك أيضاً السلاطين من آل الشهابي والذين كان مقرهم قرية بيت زبطان، وهي قرية تقع بالقرب من سناع. ثم بعد ذلك سيطر علي بن محمد الصليحي على صنعاء كاملة وامتد نفوذ دولته على كل السلاطين والأمراء من أقصى ظفار وحضرموت حتى مكة والطائف. لكن الرواية في مجملها ناقشت بشكل أكبر صراع المطرفية مع بعض الأئمة الزيديين، وبالأخص مع أحمد بن سليمان وعبد الله بن حمزة، وهما أبرز من حاربوا المطرفية ونكلوا بها. والمطرفية هي فرقة زيدية لكنها تختلف عن بقية الزيدية في أنها ترى أن الحكم للأفضل كائن من كان، وهذا ما جعلهم محل اضطهاد من حكام الزيدية حينذاك. وقد كانت سناع أولى هجر المطرفية التي تم تأسيسها في تلك المنطقة، وهي منطقة تقع جنوب غرب مدينة صنعاء؛ حيث أسسها مطرف بن شهاب العبادي بعد أن ضاقت به صنعاء بسبب مضايقة المخترعة لهم بسبب أفكارهم بعد أن رأوا الإقبال الكبير عليهم في حلقات التدريس. والمخترعة هم فرقة زيدية أيضاً ترى أن الحكم لا يصح إلا في البطنين من أولاد الحسن والحسين.
اعتكف الروائي وليد دماج خمسة عشر عاماً لكتابة هذه الرواية حسب قوله، ولا غرابة في ذلك؛ فقد قدم لنا مادة مهمة جداً في هذه الرواية، حيث يشعرك الراوي بأنه جمع بين الكتابة كروائي وبين التاريخ كمؤرخ، وذلك من خلال أسلوبه عن تلك المرحلة من تاريخ اليمن أو تاريخ تلك الجغرافيا التي كانت مسرحاً للصراع المتكرر حتى يومنا هذا، بالإضافة إلى أنها كانت ولا تزال هي الفوهة التي تقذف لنا كل خمسين عاماً مثل هذه الأحداث. ومن خلال قراءتك للرواية ستجد أنها لا تدل فقط على تلك الفترة التي كتب عنها الراوي، وإنما تحكي أيضاً أحداثاً موازية نعيشها الآن وتتشابه كثيراً مع كل الأحداث التي مرت بها هذه البلاد. ويرجع السبب الذي جعل الكاتب يأخذ كل ذلك الوقت لكتابة هذه الرواية هو عدم وجود مصادر ومراجع تقدم المعلومات بشكل دقيق وبدون انحياز لأي طرف، والسبب في ندرة المراجع هو الإبادة التي تعرضت لها فرقة المطرفية وحرق الكتب والمكتبات وتشريد وقتل كل من كان ينتمي لتلك الحركة.
في الأخير، أعتقد أن رواية “وقش” من أهم الروايات التي تؤرخ لمرحلة يمنية مهمة من تاريخ اليمن، ومن المهم جداً أن يقرها كل يمني ينتمي لهذه الأرض ليعرف تفاصيل الصراعات التي جبلنا عليها والتي تتكرر باستمرار ما بين كل خمسين عاماً.
لقد أبدع الأستاذ وليد دماج في تقديم هذه الرواية المهمة جداً والتي جاءت في وقت مهم جداً تعيشه البلاد وربما يشبه نفس المرحلة التي تتحدث عنها الرواية. لقد قال وليد دماج أهم الكلام الذي يجب أن يقال لكل يمني حر ويجب أن يعيه ويفهمه ويدركه ويتمسك به كل يمني في هذه المرحلة اليمنية المهمة. شعرت بحديثه وحبه لليمن وانتمائه لهذه الأرض ولتاريخها القحطاني السبئي الأصيل وأنا أقرأ الرواية. كررت القراءة لأكثر من مرة لكي أفهم وأعي كل التفاصيل وكل الرسائل التي أراد الروائي أن يوصلها للقارئ ولليمني بشكل خاص. لهذا أقول للجميع: في رواية “وقش” ستجدون كل الكلام المهم ومن قراءتها ستكتسبون الوعي الذي تريدونه في هذه المرحلة، فمنذ أن قرأتها تشكل لدي وعي مختلف عن هذه الأرض وعن الكثير من القضايا التي كانت تتداخل في وعيي وتفكيري، وأزعم أنني أدركت الكثير من حقائق هذا الوطن تاريخياً واجتماعياً وسياسياً ودينياً وعلاقة هذه المنظومات بالأرض وباليمني. ومن المؤكد أن تلك المرحلة تشبه أخواتها حيث كل صراعات اليمن تتشابه بشكل كبير.
السلام على روحك يا وليد دماج، أيها اليمني العظيم بعظمة وعيك وتفكيرك ويمنيتك وأصالتك. السلام على روحك الراحلة يا حفيد الأقيال وابن الكفاح والنضال.
وليد أحمد دماج من مواليد 1973، كاتب وروائي يمني، حصل على العديد من الجوائز وأصدر العديد من الروايات، من أهمها رواية “ظلال الجفر” (2013)، و”هُم” (2015)، و”وقش” (2019)، و”أبو صهيب العزي” الصادرة مؤخراً عن “دار أروقة”.
ويعتبر الكاتب والأديب الروائي وليد دماج من أسرة يمنية تنتمي للنضال والكفاح والأدب؛ فعمُّه أحمد قاسم دماج كان أديباً وثائراً وأحد رواد التغيير الأوائل وصاحب سيرة حافلة بالنضال والكفاح وتقلده لعدد من المناصب الحكومية بعد الثورة اليمنية.
توفي الروائي اليمني وليد دماج يوم 18-8-2022 بشكل مفاجئ، وذلك بعد تعرضه لنوبة قلبية ألمت به، وتم الإعلان عن وفاته ليشكل رحيله صدمة كبيرة لقُرّائه ومحبيه.





